اقتصادكم
كشف تقرير حديث أصدرته جمعية "سمسم – مشاركة مواطنة" أن منظمات المجتمع المدني بالمغرب باتت تعتمد بشكل متزايد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تدبير أنشطتها اليومية، في وقت لا تزال فيه المنظومة القانونية والمؤسساتية الخاصة بهذه التكنولوجيا غير مكتملة. واعتبرت الجمعية أن هذا الواقع يفرض تسريع وتيرة الإصلاحات التشريعية لضمان استخدام آمن ومسؤول للذكاء الاصطناعي، بما يحمي المعطيات ويحد من المخاطر المرتبطة به.
وجاء في المذكرة الترافعية، الصادرة خلال يونيو 2026 تحت عنوان "الذكاء الاصطناعي والمجتمع المدني بالمغرب: نحو حكامة مسؤولة وإطار تنظيمي يراعي احتياجات الفاعلين المدنيين"، أن الذكاء الاصطناعي أصبح أداة مؤثرة في إنتاج المعرفة وتحليل البيانات وصناعة القرار، وهو ما يستدعي تطوير قواعد تنظيمية تواكب التحولات الرقمية التي تعرفها المملكة، خصوصًا في ظل تنزيل استراتيجية "المغرب الرقمي 2030".
ورغم ما وصفته بالدينامية التي يشهدها مسار التحول الرقمي، ترى الجمعية أن المقاربة الحالية تركز أساسا على تحديث الخدمات والإدارة، دون مواكبة ذلك بإطار قانوني شامل ينظم تطوير واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. وأشارت إلى أن القوانين المرتبطة بحماية المعطيات الشخصية والأمن السيبراني والحق في الحصول على المعلومات، رغم أهميتها، لا تشكل منظومة متكاملة لمعالجة القضايا المرتبطة بالخوارزميات والشفافية والمسؤولية القانونية.
واعتمدت الدراسة على استبيان شمل 58 مشاركًا يمثلون جمعيات وباحثين ونشطاء وفاعلين في المجال الرقمي، حيث أظهرت النتائج أن 55.2 في المائة من المستجوبين يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي بشكل منتظم، فيما أكد 39.7 في المائة أنهم يعتمدون عليها بدرجات متفاوتة، مقابل 5.2 في المائة فقط لا يستخدمونها إطلاقًا، وهو ما يعكس اتساع حضور هذه التقنيات داخل النسيج الجمعوي.
وأبرزت المعطيات أن الاستخدام يتركز أساسًا في البحث وإعداد التصاميم وصناعة المحتوى وإعداد التقارير والترجمة، بينما لا يزال توظيف الذكاء الاصطناعي في مجالات الترافع والتأثير في السياسات العمومية محدودًا، وهو ما اعتبرته الجمعية مؤشراً على أن الاستفادة الحالية تظل محصورة في الجوانب التشغيلية أكثر من توظيفها في تعزيز المشاركة المدنية وصنع القرار.
وفي المقابل، سجل التقرير تفاوتًا في مستوى التأهيل الرقمي بين الفاعلين الجمعويين، إذ اعتبر نحو 59 في المائة من المشاركين أن معارفهم في مجال الذكاء الاصطناعي متوسطة، بينما وصف أكثر من خمسهم مستواهم بالضعيف، وهو ما دفع الجمعية إلى التحذير من اتساع ما سمته "فجوة الذكاء الاصطناعي"، التي قد تكرس تفاوتًا في قدرة الجمعيات على الاستفادة من الأدوات الرقمية الحديثة.
وربطت المذكرة هذا التفاوت بعدة تحديات، من بينها محدودية برامج التكوين، وضعف الموارد المالية اللازمة لاقتناء الحلول الرقمية المتقدمة، إضافة إلى غياب سياسات داخلية ومدونات سلوك تؤطر الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، فضلًا عن تنامي المخاوف المرتبطة بحماية البيانات والسيادة الرقمية في ظل الاعتماد المتزايد على منصات عالمية.
ودعت جمعية "سمسم – مشاركة مواطنة" إلى إشراك المجتمع المدني في إعداد الإطار التشريعي الخاص بالذكاء الاصطناعي، وإحداث منظومة حكامة وطنية قادرة على مواكبة التحولات الرقمية، إلى جانب الاستثمار في التكوين والدعم التقني والمالي للجمعيات، بما يضمن توظيف هذه التكنولوجيا في خدمة التنمية وتعزيز الحكامة والشفافية، دون الإخلال بالحقوق الأساسية أو مبادئ الاستخدام الأخلاقي.