هل يهدد القرار المتأخر للـ"كاف" صورة الكرة الإفريقية واقتصادها؟

ملفات خاصة - 21-03-2026

هل يهدد القرار المتأخر للـ"كاف" صورة الكرة الإفريقية واقتصادها؟

اقتصادكم - أسامة الداودي

لم يعد الجدل المرتبط بالقرارات التحكيمية أو التنظيمية في التظاهرات الرياضية الكبرى يقتصر على أبعاده التقنية، بل أصبح يمتد إلى مستويات أعمق تمس صورة المنافسات ومصداقيتها، في سياق يتزايد فيه وزن الاقتصاد الرياضي داخل المعادلات التنموية.

وعلى ضوء ما سبق، أعاد الجدل الذي رافق قرار الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم بخصوص نهائي “كان 2025” إلى الواجهة سؤال “الخسائر غير المادية”، المرتبطة بالسمعة والصورة، وانعكاساتها على جاذبية الاستثمار وثقة الشركاء في البيئة الرياضية الإفريقية.

وفي حوار خص به موقع "اقتصادكم"، اعتبر يونس الحسني، الأستاذ الباحث المتخصص في علوم التدبير والتسيير الرياضي بجامعة عبد المالك السعدي، بتطوان، أن “الخسائر غير المادية” تظل محدودة في حالة المغرب، بالنظر إلى الانطباع الإيجابي العام، مؤكدا أن النقاشات المصاحبة للمنافسة لم تضر بالصورة، بل ساهمت في رفع الاهتمام الإعلامي والدولي بالبطولة.

 

وفي ما يلي نص الحوار كاملاً:

في ظل الجدل الذي رافق بعض قرارات “الكاف” خلال “كان 2025”، كيف يمكن تقييم الخسائر المرتبطة بسمعة البطولة أو البلد المنظم من منظور اقتصادي؟

أولاً، أعتقد أن القرار الأخير الصادر عن لجنة الاستئناف التابعة للكاف شكل منعطفا مهما في هذا الجدل، لأنه أنهى النقاش القانوني وأعاد الاعتبار للمنتخب الوطني الذي أوقف نهائي البطولة، وبعيدا عن القرارات التي صدرت عن اللجنة التأديبية وأثارت بدورها تساؤلات واسعة. 

وكما جاء في بيان الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، فإن تنظيم “كان 2025” كمنظمين وكجمهور وكمنتخب وطني تلقينا هذه التطورات بإيجابية، باعتبارها خطوة في اتجاه استعادة التوازن والثقة، خاصة وأن المغرب يتطلع إلى استحقاقات قارية ودولية مهمة في قادم السنوات.

أما من الناحية الاقتصادية، فإن الحديث عن الخسائر المرتبطة بهذا الجدل، يجب التذكير بأن تنظيم التظاهرات الرياضية الكبرى لا يقتصر على العائدات المباشرة فقط، بل يندرج أيضاً ضمن أهداف استراتيجية تتعلق بتعزيز جاذبية البلد، وتثمين صورة الدولة، ودعم الدينامية السياحية والاستثمارية. 

ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب نجح بشكل كبير في تحقيق هذه الأهداف من خلال إبراز قدراته التنظيمية على مستوى البنيات التحتية واللوجستيك. 

وعلى الصعيد المالي، فقد سجلت مداخيل قياسية، حيث تم تحقيق عائدات تقدر بـ 13 مليار درهم، إلى جانب مساهمته في رفع مداخيل الكاف المرتبطة بالبطولة بأكثر من 90%.

لذلك، فإن تأثير هذا الجدل على سمعة المغرب يظل محدوداً في تقديري، لأن الانطباع العام الذي خلفته البطولة كان إيجابياً، ويبرز قدرة المملكة على احتضان تظاهرات قارية ودولية كبرى وفق معايير عالية. 

وإذا كان هناك نقاش قد أثير، فهذا أمر طبيعي في سياق المنافسات الرياضية، خاصة عندما يتعلق الأمر بقرارات تحكيمية أو تنظيمية. 

لكن الأهم هو أن هذه النقاشات لم تؤثر بشكل جوهري على الصورة العامة للبطولة، بل بالعكس، ساهمت في تعزيز الحضور الإعلامي والاهتمام الدولي بها.

 

إلى أي حد يمكن اعتبار تضرر الصورة أو السمعة نوعاً من “الخسائر غير المادية”، وهل يمكن فعلا تأمين هذا النوع من المخاطر في المجال الرياضي؟

الاقتصاد الرياضي يعتمد بشكل أساسي على ما يسمى بالرأسمال اللامادي، وهو عنصر غير ملموس لكنه يكتسي قيمة اقتصادية كبيرة، مثل السمعة، والصورة، والثقة، والمصداقية، وقوة العلامة الرياضية، وجاذبية المنافسة لدى الجماهير والرعاة والشركاء. 

لذلك، فإن تضرر الصورة أو السمعة يمكن اعتباره من أبرز الخسائر في المجال الرياضي، لأنه لا يظهر بشكل مباشر في شكل خسارة مالية آنية، لكنه ينعكس سريعاً على عدة مؤشرات اقتصادية، مثل تراجع قيمة الحقوق التسويقية، وضعف جاذبية البطولة أو البلد المنظم، وتردد المستثمرين والرعاة، وأحياناً انخفاض الإقبال الجماهيري وحقوق البث مستقبلاً.

أما من ناحية التأمين، فالإشكال الأساسي هو أن السمعة في حد ذاتها يصعب تأمينها بشكل مباشر، لأنها لا تُقاس بمعايير دقيقة كما هو الحال بالنسبة للأضرار المادية الناتجة عن كوارث طبيعية. 

ومع ذلك، يمكن الحديث عن أشكال غير مباشرة من التأمين، تشمل تغطية بعض الخسائر المرتبطة بها، مثل تراجع المداخيل أو إلغاء عقود الرعاية، عبر منتجات تأمينية متخصصة، غير أن هذه الآليات تبقى محدودة مقارنة بحجم التأثير الذي قد تخلفه أزمة سمعة على المدى المتوسط والبعيد.

 

كيف تؤثر الأزمات الإعلامية أو التنظيمية المصاحبة للتظاهرات الرياضية الكبرى على جاذبية الاستثمار والرعاة في الاقتصاد الرياضي؟

الأزمات الإعلامية أو التنظيمية تضعف جاذبية الاستثمار في الرياضة، لأنها تضرب أحد أهم مكونات الرأسمال اللامادي، وهو الثقة في البيئة الرياضية، فالمستثمر أو الراعي لا يبحث فقط عن حضور إعلامي، بل عن ارتباط بصورة إيجابية، مستقرة، وذات مصداقية. 

وعندما ترافق التظاهرة اختلالات تنظيمية أو جدل إعلامي واسع، فإن ذلك يخلق نوعاً من عدم اليقين لدى الفاعلين الاقتصاديين، ويجعلهم أكثر حذراً في اتخاذ قرارات الاستثمار أو الرعاية.

 

في نظركم، ما هي الآليات أو الحلول التي يمكن اعتمادها للحد من المخاطر المرتبطة بصورة وسمعة التظاهرات الرياضية الكبرى في المغرب؟

في تقديري، فإن الحد من المخاطر المرتبطة بصورة وسمعة التظاهرات الرياضية الكبرى في المغرب، يقتضي أولاً التعامل مع السمعة باعتبارها رأسمالا استراتيجيا، وليس مجرد عنصر ثانوي. فنجاح أي تظاهرة رياضية اليوم لا يُقاس فقط بجودة التنظيم، بل أيضا بقدرتها على الحفاظ على ثقة الجمهور، ووسائل الإعلام، والرعاة، والشركاء.

ومن هذا المنطلق، أرى أن الأمر يتطلب العمل على ثلاث مراحل أساسية:

أولاً، قبل الأزمة، من خلال اعتماد آليات للرصد المبكر وتتبع ما يُتداول في وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، مع تحديد المخاطر المحتملة ووضع خطط استباقية للتعامل معها. 

ثانياً، أثناء الأزمة، عبر إحداث خلية أزمة مهنية قادرة على التدخل السريع، وتقديم خطاب واضح، منسجم، وشفاف، لأن الفراغ التواصلي غالبا ما يُفاقم الضرر أكثر مما يحد منه. 

ثالثاً، بعد الأزمة، من خلال مواصلة التواصل، وتوضيح الإجراءات التصحيحية، واستخلاص الدروس الضرورية لتفادي تكرار نفس الاختلالات مستقبلاً.

لذلك، يمكن القول إن حماية صورة التظاهرات الرياضية الكبرى في المغرب تقتضي اعتماد مقاربة قائمة على الاستباق، واليقظة الإعلامية والرقمية، والحكامة الجيدة، وسرعة التدخل، وشفافية التواصل، إلى جانب الاستفادة من دروس الأزمات السابقة. 

فحماية السمعة اليوم تمثل، في العمق، حماية للقيمة الاقتصادية للرياضة المغربية، ولجاذبية المغرب الاستثمارية بصفة عامة.