هل يؤسس الهجوم على إيران لمرحلة جديدة في موازين الردع الإقليمي؟

ملفات خاصة - 01-03-2026

هل يؤسس الهجوم على إيران لمرحلة جديدة في موازين الردع الإقليمي؟

اقتصادكم - أسامة الداودي

في ظل التصعيد العسكري غير المسبوق بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يطرح المشهد أسئلة عميقة حول أسباب التحول من التهديد إلى الضربة، وتداعيات ذلك على توازنات المنطقة.

وتعليقا على الموضوع، أكدت أستاذة العلاقات الدولية والتواصل السياسي بكلية العلوم القانونية والسياسية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، أمال بنبراهيم، في تصريح لموقع "اقتصادكم"، أن الانتقال إلى الخيار العسكري يعكس تحولا نوعيا في فلسفة تدبير الصراع، مدفوعا بتآكل جدوى أدوات الاحتواء السابقة، وتداخل اعتبارات الردع الإقليمي بالحسابات السياسية الداخلية، مع ما يحمله ذلك من تداعيات مفتوحة على استقرار المنطقة وانعكاساته غير المباشرة على المغرب.

وفي ما يلي نص الحوار كاملاً:

 

 

كيف ترون التحول من التهديدات الدبلوماسية إلى تنفيذ هجمات عسكرية واسعة النطاق من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران؟ وما العوامل السياسية والاستراتيجية التي دفعت بهذه القوى إلى الانتقال من التصعيد؟

الانتقال من التهديدات الدبلوماسية إلى الهجمات العسكرية واسعة النطاق ضد إيران من طرف كل من الولايات المتحدة وإسرائيل ليس مجرد تصعيد تكتيكي، بل هو تحول نوعي في فلسفة تدبير الصراع. 

فالدبلوماسية القسرية التي تجمع بين العقوبات والضغوط والتهديدات كانت تروم إبقاء التوتر تحت السيطرة وأن يتحقق الردع دون بلوغ عتبة المواجهة المباشرة. 

لكن اللجوء اليوم إلى القوة العسكرية يعكس قناعة لدى صانع القرار بأن آليات الاحتواء السابقة فقدت جدواها ولم تعد كافية لضبط السلوك الإيراني.

هذا الخيار لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات الداخلية المعقدة في واشنطن وتل أبيب، حيث تتقاطع اعتبارات الشرعية السياسية مع منطق الأمن القومي، لا سيما في ظل تزايد الاستقطابات الداخلية وتراجع الشعبية وضغط المؤسسات الحزبية والإعلامية.

من هذا المنطلق، تصبح إعادة تأطير العمل العسكري كدليل على الحسم والقدرة على فرض الإرادة كمحاولة لترميم صورة القيادةوإظهار قدرتها على التعامل مع التهديدات. 

بطبيعة الحال، لا يعني ذلك أن الدوافع داخلية بحتة بل يتقاطع معها العامل الخارجي أيضا، خاصة حين تدفع المؤسستان الأمنية والعسكرية في اتجاه "لحظة القرار الحاسم" حين تقدم تقديرات بأن مسافة الاقتراب من عتبة نووية تضيق سريعا فيتحول خيار الضربة الاستباقية إلى بديل عن الانتظار لتفادي تهديد استراتيجي محقق

وعلى المستوى الاستراتيجي، يرتبط القرار العسكري برغبة في إعادة تشكيل موازين القوة الإقليمية وضبط مساراتها. 

فإسرائيل تنظر إلى تفوقها النوعي باعتباره شرطا أساسيا في عقيدتها الأمنية، وأي تحول كبير في قدرات إيران العسكرية والدفاعية هو بالنسبة لها اختلال جذري في معادلة الردع، وهو ما من شأنه أن يحد من هامش المناورة الاستراتيجية الإسرائيلية. 

وبالموازاة، تعتبر الولايات المتحدة أن تنامي النفوذ الإيراني هو تهديد لبنية تحالفاتها الإقليمية ولمصداقية التزاماتها الأمنية. 

لذا فإن اللجوء إلى التدخل العسكري هو آلية لتثبيت الخطوط الحمراء وتجنب تشكل واقع استراتيجي يصعب التعامل معه لاحقا، حتى لو لم تكن الحرب الشاملة غاية في حد ذاتها.

 

في ظل الاستخدام العسكري المشترك للضربات من قبل واشنطن وتل أبيب ضد مواقع إيرانية ما التداعيات المتوقعة على توازن القوى الإقليمي؟ وكيف يمكن أن يؤثر هذا التصعيد على استقرار دول الجوار وعلى دور الفاعلين الغير الحكوميين مثل الميليشيات المدعومة من إيران؟

إن الاستخدام العسكري المشترك من قبل واشنطن وتل أبيب ضد مواقع إيرانية مرشح لإحداث تأثير عميق في توازن القوى الإقليمي، ليس فقط عبر القدرات العسكرية المباشرة، بل من خلال إعادة تعريف قواعد الاشتباك وحدود الردع.

بنيوياً، يعكس التنسيق بين الطرفين سعياً لإبراز محور متماسك قادر على التحرك خارج الأطر الدبلوماسية التقليدية، في محاولة لإعادة ضبط ميزان الردع ومنع إيران من فرض واقع يميل لصالحها. 

غير أن رفع مستوى الاستخدام العلني للقوة ينطوي على مفارقة، إذ يزيد احتمالات تحول عملية محدودة إلى تصعيد يصعب احتواؤه.

أما دول الجوار، فتتحدد تداعيات التصعيد بمدى انكشافها الجيوسياسي، لا فقط بمدى تعرضها المباشر للضربات.

فالدول التي تستضيف قوات أو قواعد أميركية، أو تقع ضمن مسارات الإمداد البحري والجوي، تجد نفسها في موقع حساس، بعدما تحولت أراضيها وأجواؤها ومياهها إلى ساحات لرسائل الرد غير المباشر. 

وهو ما يفرض عليها أعباء أمنية واقتصادية متزايدة، من رفع درجات الاستنفار إلى اضطراب التجارة والطاقة، وزيادة هشاشة أسواقها الداخلية. 

كما أن أي توتر في ممرات حيوية كمضيق هرمز يضاعف المخاوف بشأن أمن الإمدادات والاستقرار الاقتصادي الإقليمي.

في المقابل، يُرجح أن يتعاظم دور الفاعلين غير الحكوميين، ولا سيما الميليشيات المدعومة من إيران، في إطار رد متعدد المستويات يتيح التصعيد دون مواجهة تقليدية شاملة. 

وتوسيع أنشطتها ينقل الصراع من مستوى الدول إلى مشهد أكثر تشظياً، تتداخل فيه الجبهات وتتعقد خطوط المواجهة، ما يصعّب احتواء التصعيد ويضع الدول المعنية أمام تحديات تمس سيادتها وتوازناتها الإقليمية والدولية.

في المحصلة، قد يقود هذا التصعيد إلى إعادة ترتيب مؤقت لتوازن القوى، حيث تتجاور مظاهر القوة مع هشاشة كامنة، ويبقى الاستقرار رهناً بقدرة الأطراف على منع انزلاق المواجهة إلى صراع إقليمي واسع.

 

في ظل هذا التصعيد العسكري المتصاعد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ما هي السيناريوهات المحتملة لتأثير هذا الوضع على المغرب؟ سواء على المستوى الاستراتيجي، أو العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية للمملكة؟

إن استمرار تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، لن يكون له في الغالب تأثير عسكري مباشر على المغرب بحكم البعد الجغرافي، لكنه قد يتأثر على المستويين الاقتصادي والاستراتيجي والدبلوماسي من خلال تفاعلات السوق العالمية والتحالفات وبيئة الأمن الإقليمي. 

ومن هذا المنطلق فهناك العديد من السيناريوهات المحتملة والمرتبطة بمسارات تبلور الوقائع على الأرض.

وعلى المستوى الاستراتيجي-الأمني، قد يتأثر المغرب بارتفاع حساسية البيئة الإقليمية تجاه المخاطر غير التقليدية، مثل التهديدات السيبرانية وأعمال التخريب وأنماط المواجهة غير المتماثلة، خاصة إذا اتسعت رقعة الصراع. 

وهو ما يعزز أهمية الإنذار المبكر وتبادل المعلومات ضمن ترتيبات التعاون الأمني مع الحلفاء الغربيين، كما يظل عامل السياسة الخارجية حاضراً، إذ إن قطع العلاقات مع إيران منذ 2018 يحد من هامش التواصل المباشر مقارنة بدول تحتفظ بقنوات مفتوحة.

اقتصادياً، يبرز سيناريو اضطراب الطاقة والشحن، بحكم اعتماد المغرب الكبير على واردات النفط والغاز، فأي ارتفاع في الأسعار أو في تكاليف النقل والتأمين سينعكس على فاتورة الاستيراد وكلفة الكهرباء والنقل، ومن ثم على التضخم والميزان الخارجي. 

كما أن أي توتر في الخليج ومضيق هرمز قد يربك سلاسل الإمداد ويرفع أسعار الطاقة عالمياً، إلى جانب زيادة أقساط تأمين مخاطر الحرب وإعادة تسعير الرحلات البحرية، ما يرفع كلفة الواردات حتى دون عبور مباشر عبر المضيق.

دبلوماسيا، وفي حال استمرار التصعيد، سيجد المغرب نفسه أمام معادلة دقيقة لتدبير توازن شراكاته، ما يدفعه إلى تبني خطاب يركز على خفض التصعيد وحماية الاستقرار الإقليمي وممرات التجارة، مع مراعاة الاعتبارات الداخلية والإقليمية.