هل يعكس النمو الحالي في المغرب تحولا بنيويا أم يظل رهينا بتقلبات المناخ؟

ملفات خاصة - 02-03-2026

هل يعكس النمو الحالي في المغرب تحولا بنيويا أم يظل رهينا بتقلبات المناخ؟

اقتصادكم - أسامة الداودي


رغم إشادة صندوق النقد بتحسن المداخيل وتراجع عجز الميزانية، فإن دعوته إلى تعزيز الهوامش المالية تعيد طرح إشكالية صلابة المالية العمومية وقدرتها على مواجهة صدمات خارجية محتملة.

وفي هذا الصدد، اعتبر الخبير الاقتصادي الدولي الحسن عاشي أن توقعات صندوق النقد الدولي بتحقيق نمو يقارب 4,9 في المائة خلال سنتي 2025 و2026 تعكس دينامية إيجابية على المستوى الكمي، غير أن تحليل بنيتها الاقتصادية يكشف استمرار ارتباطها بعوامل ظرفية، في مقدمتها الموسم الفلاحي وحجم الاستثمار العمومي، ما يطرح سؤال الاستدامة الهيكلية لهذا الأداء.


النمو رهين تقلبات الفلاحة

وأوضح الحسن عاشي، في تصريح لموقع "اقتصادكم"، أن التجربة التاريخية للنمو بالمغرب تبرز ارتباطا وثيقا بين الأداء الاقتصادي وتقلبات الإنتاج الفلاحي، إذ يتحسن النمو في سنوات الوفرة المطرية ويتراجع في فترات الجفاف، وهو ما يدل على استمرار الوزن النسبي المرتفع للقطاع الفلاحي في تشكيل الدورة الاقتصادية الوطنية، رغم الجهود الرامية إلى تنويع القاعدة الإنتاجية.

وأضاف الخبير الاقتصادي الدولي أن تقرير صندوق النقد الدولي يشير بوضوح إلى أن النمو القوي المسجل سنة 2025 والمرتقب سنة 2026 يستند بدرجة كبيرة إلى انتعاش استثنائي في الإنتاج الفلاحي بفعل تساقطات مطرية مواتية، إلى جانب تسارع أنشطة البناء والخدمات، ودعم الاستثمارين العمومي والخاص، وهو ما يجعل جزءًا من هذا النمو رهينًا بعوامل دورية قصيرة الأمد أكثر منه نتيجة تحول هيكلي مكتمل.

وأبرز عاشي أن نمط الاستثمار الذي يدعم النمو الحالي يتسم بارتفاع مكوّنه الاستيرادي، كما يؤكد صندوق النقد الدولي، الأمر الذي يحد من الأثر المضاعف الداخلي للنمو ويولد ضغوطا على الحساب الجاري، موضحا أن تسارع النمو لا يترجم تلقائيا إلى توسع متين في القاعدة الإنتاجية المحلية، ما يعكس محدودية الطابع التحويلي لدينامية النمو الراهنة.

واسترسل موضحا أن النمو الحالي قوي من حيث مستواه الرقمي، لكنه لا يزال هشا من حيث بنيته الاقتصادية، مشددًا على أن اكتسابه صفة الاستدامة البنيوية يظل رهينا بتسريع التحول الإنتاجي في القطاعات غير الفلاحية، وتعميق الاندماج في سلاسل القيمة المحلية، وتعزيز الاستثمار في الرأسمال البشري بما يقلص حساسيته للصدمات المناخية ويقوي قدرته على خلق فرص شغل مستدامة وذات قيمة مضافة أعلى.


تحسن مالي بتحفظ احترازي

وفي ما يتعلق بالوضعية المالية، أشار الحسن عاشي إلى أن تقييم صندوق النقد الدولي يقوم على مقاربة مزدوجة تجمع بين الإشادة بالتحسن المسجل في المؤشرات المالية، والتحفظ الاحترازي بشأن استدامتها البنيوية، مؤكدًا أن الصندوق يُقر بتحسن تعبئة الموارد بفضل إصلاحات جبائية ومؤسساتية، وبضبط نسبي لعجز الميزانية، إلى جانب تقدم في إطار البرمجة متوسطة الأمد وتحسين تدبير الاستثمار العمومي.

غير أن هذا التحسن، بحسب المتحدث ذاته، لا يلغي استمرار قابلية المالية العمومية للتعرض للصدمات، في ظل حساسية الاقتصاد الوطني لتقلبات الظرفية الدولية، سواء عبر قنوات أسعار السلع الأساسية أو الطلب الخارجي، لا سيما من منطقة اليورو، فضلًا عن الطابع الكثيف للاستيراد في الاستثمار العمومي، الذي يربط مسار النمو بتوازنات ميزان المدفوعات.


مخاطر كامنة بالمؤسسات العمومية

ولفت عاشي إلى أن وجود مخاطر مالية كامنة مرتبطة بالمؤسسات والمقاولات العمومية يبرر إلحاح الصندوق على إدماج رصد هذه المخاطر وتقييمها بشكل منهجي ضمن إطار البرمجة متوسطة الأمد، مشيرًا إلى أن الدين العمومي، رغم تحسن مساره النسبي، لا يزال عند مستوى يحد من هامش المناورة في مواجهة صدمات كبيرة أو متزامنة.

وزاد أن دعوة صندوق النقد الدولي إلى تعزيز الهوامش المالية تنسجم مع منطق وقائي اعتمده المغرب سابقًا من خلال اللجوء إلى خط الوقاية والسيولة، والقائم على بناء احتياطات أمان قبل وقوع الأزمات.

كما سجل أن الدعوة إلى ادخار جزء من الفوائض الظرفية، وإعادة توجيه الإنفاق نحو الاستثمار في الرأسمال البشري، وتسريع إصلاح حكامة المؤسسات العمومية، لا تعكس تشخيصًا لهشاشة آنية بقدر ما تعبر عن رؤية احترازية ترمي إلى تحويل التحسن الدوري الراهن إلى رصيد بنيوي يعزز القدرة على امتصاص الصدمات مستقبلاً.