اقتصادكم - نهاد بجاج
تطرح التطورات الجيوسياسية المتسارعة في الشرق الأوسط مخاوف متزايدة بشأن استقرار أسواق الطاقة العالمية، خاصة في ظل حساسية الإمدادات المرتبطة بـ مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم.
ويمر عبر هذا المضيق يوميا ما يقارب 20 مليون برميل من النفط، أي ما يعادل نحو 20% من الاستهلاك العالمي، ويزيد من حساسية الوضع أن عرض المضيق لا يتجاوز حوالي 50 كيلومترا، بينما لا يتعدى عمقه 60 مترا، وهو ما يجعل أي توتر عسكري أو أمني قادرا على تعطيل التدفق الطبيعي للإمدادات.
ورغم توفر بعض البدائل عبر خطوط الأنابيب في كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، فإن قدرتها القصوى على نقل النفط لا تتجاوز 2,6 مليون برميل يوميا، وهو ما يعني أن أي اضطراب كبير في الملاحة عبر المضيق قد ينعكس بسرعة على الأسعار في الأسواق الدولية.
ارتفاع سريع في الأسعار
وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي محمد جدري، في تصريح لموقع "اقتصادكم"، أن تداعيات الحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية بدأت تظهر بالفعل في أسواق الطاقة.
وأوضح جدري، أن أسعار النفط شهدت خلال أيام قليلة ارتفاعا ملحوظا، قائلا إن "سعر برميل النفط انتقل من حوالي 60 دولارا إلى أكثر من 81 دولارا مع نهاية يوم الأربعاء"، وهو ما يعكس حالة القلق التي تعيشها الأسواق العالمية.
وأضاف أن التطورات المرتبطة بإمدادات الغاز والنقل البحري تزيد من تعقيد الوضع، مشيرا إلى أن قطر أعلنت إمكانية وقف إنتاج الغاز، في حين تحدثت شركة النقل العالمية "ميرسك" عن تعليق عمليات النقل إلى أجل غير محدد بسبب صعوبة الملاحة في هذه الظروف.
وبحسب الخبير الاقتصادي، فإن هذه المعطيات مجتمعة قد تؤدي إلى ارتفاع كبير في تكاليف النقل والشحن واللوجستيك، إضافة إلى ارتفاع أقساط التأمين بالنسبة للشركات الناقلة، مبرزا أن "النقل في أوقات السلم ليس هو النقل في أوقات الحرب".
ويرجح جدري، أن هذه التطورات تنعكس بشكل مباشر على أسعار المحروقات في المغرب، موضحا أن أسعار الغازوال والبنزين في الأسواق المحلية مرشحة للارتفاع خلال الأسابيع المقبلة، خاصة ابتداء من النصف الثاني من شهر مارس.
القدرة الشرائية أمام اختبار جديد
ويرى المتحدث أن السؤال المطروح حاليا يتمثل في مدى قدرة الأسر المغربية على تحمل موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، كما حدث خلال فترة الحرب الروسية-الأوكرانية.
ففي تلك الفترة تجاوز سعر النفط 120 دولارا للبرميل، وبلغ التضخم في المغرب أكثر من 6,6% سنة 2022 قبل أن يستقر عند حوالي 6,1% خلال سنة 2023، ما شكل ضغطا واضحا على القدرة الشرائية.
سيناريوهان محتملان
وبخصوص تطور الأزمة الحالية، يشير جدري إلى وجود احتمالين رئيسيين.
السيناريو الأول يتمثل في اندلاع حرب قصيرة الأمد، وهو ما قد يؤدي إلى موجة ارتفاع مؤقتة في الأسعار قبل أن تعود إلى مستويات أكثر استقرارا، على أمل أن تتراجع أسعار النفط إلى مستويات مقبولة ابتداء من النصف الثاني من شهر أبريل.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في تحول الصراع إلى حرب استنزاف قد تؤدي إلى إغلاق مضيق هرمز لأسابيع، وهو ما قد يحدث اضطرابا كبيرا في الإمدادات العالمية ويدفع الأسعار إلى مستويات قياسية كما حدث سنة 2022.
اقتصاد قادر على الصمود.. لكن بشروط
ورغم هذه المخاطر، يؤكد الخبير الاقتصادي أن الاقتصاد المغربي يتوفر على قدر من الصلابة يمكنه من امتصاص جزء من الصدمات، ومن بين العوامل الإيجابية المتوقعة هذه السنة تحسن الموسم الفلاحي، الذي قد يكون فوق المتوسط، وهو ما قد يسمح للقيمة المضافة الفلاحية بالمساهمة في الحفاظ على وتيرة نمو تتراوح بين 4 و5%.
غير أن جدري يشدد في المقابل على ضرورة تسريع الإصلاحات الهيكلية، خصوصا في ما يتعلق بتدبير الموارد المائية وتسريع الانتقال الطاقي، لتقليص هشاشة الاقتصاد أمام تقلبات الأسواق الدولية.
وتبقى الفاتورة الطاقية أحد أبرز المؤشرات التي قد تتأثر بهذه التطورات، فقد تجاوزت هذه الفاتورة في المغرب 15 مليار دولار سنة 2022، أي ما يفوق 150 مليار درهم، قبل أن تتراجع إلى أقل من 10 مليارات دولار سنة 2025، أي حوالي 100 مليار درهم.
وبحسب جدري، فإن أي ارتفاع جديد في كلفة الطاقة سيؤثر مباشرة على التوازنات الاقتصادية، إذ قد يحد من هامش تمويل السياسات الاجتماعية ودعم المقاولات والاستثمار.
وفي ظل هذه المعطيات تبدو أسواق الطاقة العالمية مقبلة على مرحلة من التقلبات، إذ يبقى مصير الإمدادات المرتبطة بمضيق هرمز عاملا حاسما في تحديد اتجاه الأسعار، وما إذا كان المغرب سيواجه موجة جديدة من الضغوط على أسعار المحروقات والقدرة الشرائية.