اقتصادكم- حنان الزيتوني
في سياق التحولات الجيوسياسية والرهانات التنموية التي تعرفها القارة الإفريقية، يطرح انتخاب المملكة المغربية لولاية جديدة داخل مجلس السلم والأمن الإفريقي أكثر من سؤال حول أبعاده الاستراتيجية وانعكاساته الاقتصادية، وفي هذا الإطار، أكد رضوان جخا، محلل سياسي، في اتصال مع موقع "اقتصادكم"، أن هذا الانتخاب يمثل "تتويجا لمسار دبلوماسي متصاعد يعكس نجاعة الرؤية الخارجية للمغرب بقيادة الملك محمد السادس".
رسائل الثقة والاستقرار
وأوضح جخا أن حصول المغرب على 34 صوتا، أي ثلثي أصوات الدول الأعضاء، وانتخابه من الدور الأول، يعكس حجم الثقة السياسية التي تحظى بها المملكة داخل الاتحاد الإفريقي، رغم بعض المناوشات والخطابات العدائية التي حاولت التأثير على مناخ العلاقات البينية خلال الفترة الأخيرة.
واعتبر أن هذا التصويت الكاسح يحمل في جوهره رسالة استقرار مؤسساتي، ويؤكد أن الشركاء الأفارقة ينظرون إلى المغرب كفاعل موثوق قادر على الإسهام في تعزيز الأمن والسلم، بما يشكل أرضية ضرورية لتحفيز الاستثمار وتحسين مناخ الأعمال داخل القارة.
تعزيز الحضور الاقتصادي
وأشار المحلل السياسي إلى أن الولاية الجديدة تمتد لسنتين، لتكون الثالثة منذ عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، بعد ولايتين سابقتين (2018-2020) و(2022-2025)، وهو ما يعكس، بحسب تعبيره، “استمرارية في الحضور المؤسساتي للمغرب داخل أجهزة القرار الإفريقي”.
وأضاف أن هذا التموقع المتجدد يعزز القدرة التفاوضية للمملكة في القضايا ذات البعد الاقتصادي والاستثماري، خاصة وأن مجلس السلم والأمن يعد أحد المفاصل الأساسية لضمان الاستقرار، الذي يشكل بدوره مدخلاً رئيسياً لتحقيق التنمية وجذب الرساميل.
مقاربة تنموية للأمن.. الاقتصاد كرافعة للاستقرار
وفي تحليله للأبعاد الاستراتيجية للانتخاب، أبرز جخا أن الرؤية المغربية داخل إفريقيا تقوم على مقاربة شمولية تعتبر أن الأمن لا يتحقق فقط عبر الآليات العسكرية أو الأمنية، بل من خلال دعم التنمية الاقتصادية وتعزيز الدينامية الاستثمارية.
وأشار إلى أن هذا التوجه تُرجم في عدد من المبادرات الملكية التي تربط بين السلم والتنمية، معتبراً أن تعزيز الاستقرار الإقليمي يمر عبر خلق فرص اقتصادية، وتطوير البنيات التحتية، وتوسيع مجالات التعاون جنوب-جنوب.
مشاريع مهيكلة عابرة للحدود
وأكد جخا أن العمق الإفريقي للمغرب تجسد منذ سنة 2017 من خلال دينامية دبلوماسية مكثفة توجت بما يقارب خمسين زيارة رسمية إلى بلدان إفريقية، أفضت إلى توقيع حوالي ألف اتفاقية تعاون تشمل قطاعات الطاقة، الفلاحة، الأبناك، والتكوين.
ومن أبرز المشاريع ذات البعد القاري، يضيف المتحدث، مشروع أنبوب الغاز الأطلسي الإفريقي الرابط بين المغرب ونيجيريا، والذي سيمر عبر 13 دولة إفريقية ويستفيد منه نحو 400 مليون نسمة، بما يعزز الأمن الطاقي ويدعم الاندماج الاقتصادي الإقليمي.
كما توقف عند المبادرة الملكية الأطلسية، التي تروم خلق فضاء اقتصادي إفريقي أطلسي منفتح على أوروبا وأمريكا اللاتينية، بما يتيح إقامة منطقة إنتاج وتبادل تجاري واستثماري واعدة، إضافة إلى مبادرة تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، في إطار رؤية تكاملية لتعزيز الربط اللوجستيكي والتجاري داخل القارة.
أفق مؤسساتي وتحولات مرتقبة داخل الاتحاد
وأمد المحلل السياسي ذاته، أن انتخاب المغرب خلال الدورة الثامنة والأربعين للمجلس التنفيذي للاتحاد الإفريقي يعكس متانة علاقاته الإفريقية، ويفتح المجال أمام دينامية مؤسساتية جديدة مع اقتراب القمة التاسعة والثلاثين لقادة دول وحكومات الاتحاد.
وأشار إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد نقاشات مؤسساتية مهمة داخل المنظمة القارية، في ظل توفر المغرب على دعم يفوق ثلثي الأعضاء في عدد من القضايا الاستراتيجية، ما يعزز موقعه داخل هياكل القرار الإفريقي ويكرس حضوره كفاعل اقتصادي ودبلوماسي محوري داخل القارة.