بين الدعم العمومي والتنظيم الذاتي والخطوط الحمراء.. ماذا حل بالسلطة الرابعة؟

ملفات خاصة - 23-02-2026

بين الدعم العمومي والتنظيم الذاتي والخطوط الحمراء.. ماذا حل بالسلطة الرابعة؟

اقتصادكم

 

تشهد الساحة الإعلامية المغربية في الفترة الأخيرة، تحولات عميقة تتجاوز الظرفية الاقتصادية الضيقة، لتطال نموذج التمويل، وآليات الحكامة، ومفهوم التنظيم الذاتي داخل دولة الحق والقانون، فالدعم العمومي أعيدت صياغته، وحقوق الصحافيين المعنوية فعلت، ومشروع "لجنة الصحافة" ثم سحبه، فيما انطلقت ورشـة إصلاح المجلس الوطني للصحافة، غير أن أي إصلاح سيظل هشا إذا بقي القطاع رهين الحسابات السياسية الضيقة.


تصريح وزير الثقافة

وحسب ما جاء في مقال تحليلي لموقع "laquotidienne"، إن وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، كشف في أخر تصريحاته عن العودة إلى الصيغة السابقة للدعم العمومي، مع رفع الغلاف المالي المخصص للقطاع، وتأتي هذه الخطوة في سياق توترات قانونية وسياسية أحاطت بالمجلس الوطني للصحافة.

وأضاف المصدر ذاته، أن السلطة التنفيذية قررت طي صفحة الآلية الاستثنائية التي اعتمدت خلال جائحة كوفيد-19، والتي كانت تقوم على صرف أجور الصحافيين مباشرة، وهي صيغة اعتبرت غير قابلة للاستدامة على المدى الطويل، حيث سبق وأكد الوزير أن الميزانية الإجمالية المخصصة حاليا للقطاع تبلغ 262 مليون درهم، مقابل 65 مليون درهم في عهد الحكومة السابقة، في إشارة إلى حجم الجهد المالي الذي تبذله الدولة.

وبحسب الوزير، فإن تأخر بعض المقاولات الصحافية الصغيرة والمتوسطة في الاستفادة من النظام الجديد يعود إلى عدم استكمالها المساطر الإدارية المطلوبة، "خلافا للمقاولات الكبرى التي أودعت ملفاتها بالفعل".

توسيع الحقوق المعنوية للصحافيين

وأوضح المقال التحليلي ذاته، أنه في ظل سوق إعلانية محدودة وشديدة التنافس، بات الدعم العمومي رافعة أساسية لاستقرار منظومة تؤدي وظيفة ذات نفع عام، تتجاوز منطق الربح والخسارة.

وبعيدا عن التمويل المباشر، أعلن أيضا عن تفعيل مقتضى قانوني جديد يوسع الحقوق المعنوية للصحافيين، مع تخصيص غلاف مالي يقارب 30 مليون درهم، سيعود 30% منه إلى المقاولات المالكة لحقوق النشر، وشدد الوزير على أن الأمر لا يتعلق بـ“مكافأة” بل بـ“حق”، في تأكيد على ترسيخ الاعتراف بالمجهود الصحافي ضمن منظومة حقوق المؤلف.

وأورد المقال أن هذا التوجه قد يساهم في تحسين الأوضاع السوسيو-مهنية للصحافيين، شريطة أن يتم تطبيقه بشفافية وعدالة، مع اشتراط الانخراط في المكتب المغربي لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة للاستفادة من هذه الموارد.

إصلاح المجلس الوطني للصحافة

وعلى المستوى المؤسساتي، يشكل إصلاح المجلس الوطني للصحافة محورا مركزيا في هذه المرحلة، فمشروع القانون رقم 09.26، الذي صادق عليه مجلس الحكومة برئاسة عزيز أخنوش، يأتي استجابة للقرار رقم 261/26 الصادر في 22 يناير 2026 عن المحكمة الدستورية.

وتشمل التعديلات المقترحة تقليص عدد ممثلي الناشرين المصنفين كـ“حكماء”، وإقرار حد أدنى لمقعد نسائي واحد لكل هيئة مهنية، واعتماد مبدأ التناسبية في توزيع المقاعد، ومن المرتقب أن يعاد إدراج النص في المسار التشريعي تمهيدا لاعتماده النهائي في ماي المقبل، على أن يتم تنصيب المجلس بصيغته الجديدة قبل حلول الصيف.

وهذه التعديلات تعكس سعيا لمواءمة الإطار القانوني مع ملاحظات المحكمة الدستورية، وتعزيز التمثيلية والتوازن داخل الهيئة، غير أن السؤال الجوهري يبقى: "هل تكفي هذه الإجراءات لإعادة الثقة إلى قطاع أنهكه التوتر؟".

سحب مشروع مرسوم إحداث "لجنة الصحافة"

ويشكل سحب مشروع مرسوم إحداث لجنة خاصة بتسيير قطاع الصحافة والنشر من أشغال مجلس الحكومة، مؤشرا سياسيا ودلاليا بالغ الأهمية، فقد كان المشروع يقترح تشكيل لجنة تضم قاضيا، وخبيرين يعينهما رئيس الحكومة، إضافة إلى شخصية يعينها المجلس الوطني لحقوق الإنسان وأخرى يعينها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.

وقد قوبل هذا التصور وفق مقال "laquotidienne"، بتحفظات قوية من مهنيي القطاع، الذين تخوفوا من أن يمس بمبدأ التنظيم الذاتي، أو أن يفهم كصيغة وصاية مؤقتة على مجال يفترض أن يدار من داخل المهنة نفسها، وبالعدول عن هذا الخيار، يبدو أن الوزارة فضلت منطق استمرارية المرفق العام، مع تجنب أي انطباع بتدخل مباشر في حقل يفترض أن تحكمه آليات التنظيم الذاتي.

توتر سياسي عطل المؤسسات

وأشار المقال، أنه غير أن جوهر الأزمة ظل سياسيا بامتياز، فمن جهتها رحبت الجمعية الوطنية للإعلام والناشرين بقرار المحكمة الدستورية، لكنها في المقابل انتقدت ما اعتبرته مقاربة انتقائية لبعض الفاعلين السياسيين الذين لجؤوا إلى الطعن في قانون المجلس الوطني للصحافة دون غيره من النصوص التشريعية التي اعتبرتها أكثر أولوية.

وترى الجمعية أن هذا المسار ساهم في شل الأداء المؤسساتي للقطاع، مع ما ترتب عنه من تداعيات عملية، منها تعليق تسليم البطائق المهنية، وتأخر صرف أجور موظفي المجلس لعدة أشهر، فضلا عن تجميد المفاوضات حول الاتفاقيات الجماعية.

هشاشة نموذج التنظيم الذاتي

ومن جهة أخرى أوضح المقال أن الوضع الراهن يكشف هشاشة نموذج التنظيم الذاتي حين يجد نفسه أسير تجاذبات حزبية، فالصحافة لا تستطيع أداء دورها الرقابي والديمقراطي إذا كانت آليات اشتغالها نفسها معطلة أو محل صراع سياسي.

ومن هنا تبرز مسؤولية الدولة في ضمان إطار قانوني منسجم مع الدستور، يكفل حرية التعبير والحق في الوصول إلى المعلومة، وفي المقابل، يتحمل المهنيون مسؤولية تدبير شؤونهم الأخلاقية والمؤسساتية بما يعزز مصداقية القطاع واستقلاليته.

نموذج اقتصادي قابل للاستدامة

وأورد المصدر ذاته أن رهانات المرحلة الحالية تتجاوز سؤال الدعم المالي، مبرزا أن المطلوب اليوم هو ترسيخ نموذج اقتصادي قابل للاستدامة، قادر على الاستثمار في جودة المحتوى والتحول الرقمي، وضامن لشروط اجتماعية لائقة للصحافيين.

وفي هذا السياق، قد يشكل الاعتراف بالحقوق المعنوية خطوة متقدمة، وقد يوفر الرجوع إلى صيغة دعم أكثر وضوحا متنفسا ماليا، كما يمكن لإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة أن تعيد قدرا من الاستقرار المؤسسي، إذا ما تمت بروح توافقية وبصرامة قانونية.

وأورد المقال أن الحقيقة الأساسية التي تبقى اليوم هي أنه لا إصلاح سيصمد إذا ظل القطاع عرضة لمنطق الحسابات السياسوية، فمصداقية الصحافة تقوم على استقلالها الفعلي، وهذا الاستقلال لا يتعارض مع الدعم العمومي في سوق محدودة، بقدر ما يقتضي أن يكون هذا الدعم مؤطرا، شفافا، ومفصولا عن منطق الصراعات الحزبية.