اقتصادكم – عبد الصمد واحمودو
خلال تنقلاتك اليومية أو استعمالك الطريق، لا شك أنك تلاحظ انتشار الدراجات الكهربائية المعروفة بـ“التروتنيت” في الشوارع، حيث فرضت هذه الوسيلة نفسها بقوة كخيار عملي للتنقل، يُقبل عليه العديد من المواطنين، خاصة الشباب، سواء في التوجه إلى العمل أو الدراسة أو لقضاء الأغراض اليومية.
غير أن غياب تقنين واضح لاستعمال “التروتنيت”، وعدم إخضاعها للتأمين، يطرح جملة من الانعكاسات الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة. فعلى المستوى المالي، قد تؤدي الحوادث المرتبطة بها إلى أضرار صحية تترتب عنها أعباء إضافية على النفقات العمومية في قطاع الصحة.
كما تتعدد التداعيات الاقتصادية الناتجة عن هذا الفراغ القانوني، إذ يتسبب غياب التأمين في حرمان الضحايا من آلية تعويض واضحة، ما قد يؤثر بدوره في الاستقرار المهني والاجتماعي للمتضررين.
ومن جهة أخرى، تفقد الدولة مداخيل محتملة مرتبطة بمنظومة الترخيص والرسوم والضرائب وعقود التأمين، وهو ما يعني ضياع موارد إضافية كان يمكن تعبئتها. كما يحد غياب إطار قانوني منظم من تطور سوق النقل الفردي الكهربائي بشكل مهيكل، حيث تسود حالة من عدم اليقين قد تثني المستثمرين عن ضخ استثمارات في هذا القطاع الواعد، سواء في مجالات التصنيع أو الصيانة أو خدمات الكراء، ما يؤدي إلى تفويت فرص شغل وقيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
إطار قانوني عام وضوابط تنظيمية
وفي هذا السياق أفاد ياسين موجان محامي بهيئة الدار البيضاء، في تصريح لـ "اقتصادكم"، أنه رغم عدم وجود قانون مستقل خاص "بالتروتنيت"، في المغرب، فإن استعمال هذه الوسائل يخضع حاليا لمقتضيات مدونة السير على الطرق، إلى جانب مذكرات تنظيمية بدأت تُفعل في عدد من المدن الكبرى، من بينها الدار البيضاء والرباط.
وأوضح موجان، أن هذه الوسائل تصنف ضمن فئة وسائل التنقل الشخصي ذات المحرك، ما يجعلها خاضعة لجملة من القواعد الأساسية المنظمة لحركة السير والجولان.
وفي ما يتعلق بالسن القانونية للاستعمال، كشف المحامي بهيئة الدار البيضاء، أنه يُشترط ألا يقل عمر المستعمل عن 16 سنة، تفاديا لتحميل أولياء الأمور المسؤولية في حال ارتكاب مخالفات أو وقوع حوادث سير.
أما بخصوص السرعة، كشف المحامي أن السرعة القصوى المسموح بها تتراوح داخل المجال الحضري عادة بين 20 و25 كيلومترا في الساعة. وفي المناطق المخصصة للراجلين، يتعين السير ببطء شديد، وقد يطلب من المستعمل النزول عن الدراجة، إذا دعت الضرورة لذلك حفاظا على سلامة المارة.
وأشار المصدر ذاته، أنه يُسمح باستعمالها في المسارات المخصصة للدراجات عند توفرها، فيما يمنع منعا باتا السير بها في الطرق السيارة، والممرات الخطيرة، وبعض الأرصفة التي تشهد كثافة في حركة الراجلين. مذكرا، أن هذا الإطار التنظيمي يأتي في سياق السعي إلى تأطير استعمال وسائل التنقل الحديثة، وضمان سلامة جميع مستعملي الطريق، في ظل الانتشار المتزايد لهذه الوسائل داخل المدن المغربية.
فراغ عروض التأمين
من جهته ، يرى يوسف بونوال خبير في التأمينات، أن ما يتعلق بتأمين الدراجات الكهربائية، وخاصة "التروتينات"، فالسوق المغربي لا تتوفر إلى حدود الساعة على عرض تأمين خاص بالمسؤولية المدنية عن السير، باستثناء عرض واحد لا يهم التأمين الإجباري المرتبط بحوادث السير.
وأكد بونوال، أن المتوفر حاليا، هو تأمين يتعلق بالمسؤولية المدنية عن الاستغلال، أي أنه يغطي بعض الأضرار المرتبطة بالاستخدام، لكنه لا يندرج ضمن نظام التأمين الإجباري المطبق على المركبات.
وأوضح، أنه من الناحية القانونية، تعتبر "التروتنيت" الكهربائية معنية، من حيث المبدأ، بإجبارية التأمين، باعتبارها مركبات مزودة بمحرك ، حتى وإن كان محركا كهربائياً. فالنص القانوني ينص على أن كل مركبة ذات محرك تستعمل الطرق العمومية، وغير مرتبطة بسكة حديدية، تخضع لإلزامية اكتتاب عقد تأمين يغطي المسؤولية المدنية عن السير.
وبناء على ذلك، يقول الخبير في مجال التأمين، إن مالك أو حائز هذا الصنف من الدراجات، ُفترض فيه، قانونيا، أن يكون معنيا بإبرام عقد تأمين. غير أن الطابع الإجباري لم يُفعل بشكل عملي إلى حدود اليوم، في ظل تردد عدد من الفاعلين في قطاع التأمين في طرح منتجات تغطي هذا النوع من المركبات.
وأرجع المصدر ذاته، هذا التردد إلى عدة اعتبارات، من بينها طبيعة المخاطر المرتبطة باستعمال "التروتينات"، سواء بالنسبة للمستعمل نفسه أو بالنسبة للغير، خاصة مع تزايد حوادث السير المرتبطة بها في عدد من الدول.
وأوضح، أن إجراء مقارنة مع التجربة الفرنسية، يتبين أن السوق هناك يوفر عروض تأمين خاصة "بالتروتينات"، لكن ذلك يتم في إطار قانوني وتنظيمي واضح يحدد شروط الاستعمال، من قبيل تحديد السن الأدنى 15 سنة، وضبط السرعة القصوى في 25 كيلومترا في الساعة، وإلزامية ارتداء الخوذة، إضافة إلى تحديد المسارات المخصصة لهذه الوسيلة.
في المقابل، ما تزال هذه الضوابط غير مؤطرة بشكل شامل في المغرب، ما يجعل الموضوع محل نقاش على المستويين التشريعي والتنظيمي. وتتداول معطيات حول إعداد نص تنظيمي من طرف وزارة النقل لتأطير هذا المجال، غير أنه لم يصدر إلى حدود الآن أي إطار رسمي واضح بهذا الخصوص.
وأبرز المصدر ذاته، أن ملف تأمين "التروتينات" والدراجات الكهربائية، يبقى مفتوحا في انتظار حسم تشريعي وتنظيمي يواكب الانتشار المتزايد لهذه الوسائل داخل المدن المغربية.