اقتصادكم - أسامة الداودي
بعد الاستثمارات الضخمة التي رافقت تنظيم عدد من التظاهرات الرياضية بالمغرب، في مقدمتها كأس أمم إفريقيا 2025، يطفو إلى السطح سؤال العائد الاقتصادي الحقيقي لهذه البنيات، ومدى قدرتها على خلق دينامية مستدامة تتجاوز الحدث، وتنعكس على مختلف القطاعات المرتبطة بالاقتصاد الرياضي.
كما يبرز تحدي استغلال الملاعب بعد نهاية التظاهرات الكبرى كرهان حاسم، ما يفرض البحث عن نماذج اقتصادية فعالة تحول هذه المنشآت من عبء مالي إلى أصول منتجة، قادرة على تحقيق مردودية مستمرة وتعزيز الجاذبية الاستثمارية.
السياحة تنتعش واستدامة البنيات تتعزز
وفي هذا الصدد، صرّح محمد باباخويا، الخبير في الإدارة والاقتصاد الرياضي، بأن تقييم هذا الأثر يستند إلى مجموعة من المؤشرات الملموسة التي بدأت تتشكل بعد مرور شهرين على انتهاء التظاهرة، مبرزا أن هذه المرحلة تمثل بداية رصد النتائج الأولية دون إمكانية الحسم النهائي في المردودية الشاملة.
وأوضح باباخويا، في تصريح لموقع "اقتصادكم"، أن من أبرز هذه المؤشرات تسجيل قطاع السياحة والفندقة ارتفاعا ملحوظا في نسب ملء الفنادق، حتى بعد انتهاء المنافسة، خاصة في المدن المستضيفة، ما يعكس ترسيخ موقع المغرب كوجهة رياضية وسياحية عالمية، ويؤكد أن الأثر الإيجابي للتظاهرات الكبرى يتجاوز الفترة الزمنية للحدث نفسه.
كما أورد المتحدث ذاته أن البنيات التحتية الرياضية لم تعد تقتصر على احتضان المباريات، بل تحولت إلى مركبات متعددة الوظائف تستضيف أنشطة اقتصادية وثقافية متنوعة، وهو ما يعزز من استدامتها المالية ويمنحها دورا أكبر داخل الدورة الاقتصادية المحلية.
استثمارات متنامية وتحدي الاستدامة الاقتصادية
وأضاف باباخويا أن هناك دينامية إيجابية بدأت تتشكل على مستوى الاستثمارات الأجنبية المباشرة في القطاع الرياضي، حيث أبدت شركات دولية اهتماما متزايدا بإبرام شراكات مع الأندية المغربية أو تنظيم تظاهرات كبرى داخل هذه المنشآت الحديثة، ما يعكس جاذبية السوق الرياضية الوطنية.
وأشار إلى أن هذه الاستثمارات ساهمت كذلك في خلق فرص شغل على المستوى المحلي، سواء بشكل مؤقت خلال فترة التظاهرة، أو بشكل دائم عبر وظائف مرتبطة بتدبير المنشآت والتسويق الرياضي، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على النسيج الاقتصادي والاجتماعي.
واسترسل محمد باباخويا قائلا إن المؤشرات الأولية تبدو مشجعة، غير أن التقييم الدقيق والشامل للعائد الاقتصادي يتطلب فترة زمنية أطول لا تقل عن سنة، من أجل قياس الأثر التراكمي لهذه الاستثمارات على الناتج الداخلي الإجمالي وعلى مختلف القطاعات المرتبطة بها.
وفي ما يتعلق باستدامة هذه البنيات بعد انتهاء التظاهرات، أبرز الخبير ذاته أن التحدي الحقيقي لا يكمن في بناء الملاعب، بل في ضمان استغلالها الاقتصادي المستدام، مشددا على ضرورة اعتماد نماذج مبتكرة لتحويلها إلى أصول منتجة بدل أن تتحول إلى عبء مالي.
وذكر أن من بين هذه النماذج اعتماد مقاربة متعددة الوظائف، تقوم على تحويل الملاعب إلى مجمعات متكاملة تضم فضاءات تجارية ومطاعم وفنادق ومساحات عمل، بما يضمن تدفقات مالية مستمرة ويجعل هذه المنشآت حاضرة في الحياة اليومية للمواطنين.
نماذج تدبير جديدة لتعزيز استدامة الملاعب
كما أشار إلى أهمية نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص، من خلال تفويض تدبير الملاعب لشركات متخصصة قادرة على استغلال الإمكانيات التجارية والتسويقية لهذه الفضاءات، بما يخفف العبء عن الدولة ويضمن حكامة أكثر فعالية.
ولم يغفل المتحدث عينه إمكانيات النموذج العقاري الرياضي، الذي يقوم على تثمين الأراضي المحيطة بالملاعب عبر مشاريع موازية مثل أكاديميات التدريب والقرى الرياضية، ما يتيح خلق مصادر دخل إضافية تدعم استدامة هذه الاستثمارات.
وأضاف باباخويا أن النموذج السياحي يمثل بدوره رافعة مهمة، من خلال تحويل الملاعب إلى فضاءات جذب سياحي عبر إنشاء متاحف رياضية وتنظيم زيارات منتظمة، خاصة بالنسبة للمنشآت التي احتضنت أحداثا بارزة، وهو ما يعزز صورة المغرب كوجهة رياضية عالمية.
وزاد موضحا أن استغلال هذه البنيات في تنظيم فعاليات كبرى، مثل المؤتمرات التكنولوجية والحفلات الفنية، يشكل أحد أبرز النماذج الحديثة، نظرا لما توفره الملاعب من تجهيزات متطورة تجعلها قادرة على استقطاب أحداث دولية ذات قيمة مضافة مالية عالية.