اقتصادكم - أسامة الداودي
على وقع استمرار الجدل حول أسعار الوقود بالمغرب، ومقارنة الأسعار مع إسبانيا وفرنسا، تطرق رئيس مجلس المنافسة، أحمد رحو، إلى ملفات الدعم، والتخزين، والتكرير، والضرائب، في محاولة لتفسير آليات تشكل أسعار المحروقات بالسوق الوطنية.
وذلك يوم أمس الثلاثاء، بالدار البيضاء، خلال لقاء “الليالي المالية” Les Nuits de la Finance، الذي نظمته جريدة Finances News Hebdo، إذ أقرّ بصعوبة الحفاظ على مستويات دعم كبيرة للأسعار عندما ترتفع أسعار النفط عالميا إلى ما بين 115 و120 دولارا للبرميل، موضحا أن كلفة الإبقاء على سعر يقارب 10 دراهم للتر الواحد ستتحول حينها إلى عبء مالي ثقيل لا تستطيع الدولة تحمله على المدى الطويل.
مليارات لدعم الحافلات والشاحنات
وأفاد رحو بأن جزءا من المداخيل الإضافية التي تحققها الدولة يُوجه حاليا إلى دعم النقل العمومي والحفاظ على أسعار الحافلات وسيارات الأجرة في مستويات منخفضة، مشيرا إلى أن هذا الدعم قد يصل إلى مليار ونصف مليار درهم شهريا، أي ما بين 12 و18 مليار درهم سنويًا إذا استمرت الظرفية الحالية حتى نهاية السنة.
وأضاف أن الدعم لا يقتصر فقط على النقل العمومي، بل يشمل أيضًا قطاع نقل البضائع والشاحنات، باعتبار أن كلفة النقل تعد من أبرز القنوات التي تنقل التضخم إلى مختلف المنتجات والسلع، موضحا أن ارتفاع أسعار الطاقة ينعكس بشكل مباشر على أسعار المواد الاستهلاكية بسبب ارتباط جميع المنتجات تقريبًا بتكاليف النقل والتوزيع.
واعتبر المتحدث ذاته أن الخيار الحكومي القائم على دعم النقل وبعض الآليات المرتبطة بالسوق يظل منطقيا إلى حد كبير، موضحا أنه، كمواطن مغربي، يرى أن تحميل مستعملي السيارات الخاصة جزءًا أكبر من الكلفة عبر الضرائب، مقابل الحفاظ على أسعار النقل الجماعي، يبقى خيارا قابلا للنقاش لكنه يحمل نوعًا من التوازن الاجتماعي.
وشدد أحمد رحو على أن المحروقات ليست سلعة كمالية، بل ترتبط أساسا بمنظومة النقل والتوزيع، موضحا أن الفوارق المسجلة بين الأسعار في المغرب وبعض الدول الأوروبية لها ارتباط بالنظام الضريبي المعتمد في كل دولة، وليس باختلاف طبيعة المنتج أو تكلفته الحقيقية.
كما ذكر رئيس مجلس المنافسة أن أسعار الغازوال في إسبانيا تبقى أقل من مثيلتها في دول أوروبية أخرى بسبب تخفيضات ضريبية، مشيرًا إلى أن سعر اللتر هناك يتراوح ما بين 1,50 و1,60 يورو، في حين يتجاوز في فرنسا يوروين للتر الواحد، رغم توفرها على مصافي تكرير، وهو ما يعكس تأثير السياسة الضريبية على الأسعار النهائية للمحروقات.
خلفيات إغلاق “سامير”
وفيما يتعلق بملف التكرير، أكد أحمد رحو أن وجود مصفاة محلية لم يكن ليغير بشكل جذري مستويات الأسعار بالمغرب، معتبرا أن سعر الوقود كان سيبقى قريبا من مستواه الحالي حتى في حال استمرار نشاط التكرير، لأن أسعار المحروقات تبقى مرتبطة أساسًا بالسوق الدولية للنفط.
وأضاف أن من غير الممكن اقتصاديًا مطالبة شركة أو مستثمر ببيع منتج عالمي داخل السوق المحلية بأقل بكثير من سعره الدولي، مبرزا أن أي فاعل اقتصادي لن يقبل ببيع سلعة تُباع بـ10 في السوق الدولية بسعر 5 محليًا، لأن ذلك سيفقده القدرة على الاستمرار والمنافسة.
وأورد رئيس المجلس أن جزءا من الرأي العام يربط بين إغلاق شركة “سامير” وتحرير أسعار المحروقات، فقط لأن الحدثين تزامنا تقريبًا في الفترة نفسها، وهو ما خلق انطباعا لدى البعض بأن تحرير الأسعار كان السبب المباشر في الارتفاعات والتقلبات التي عرفها السوق الوطني.
وذكر رحو أن شركة “سامير” قدمت خدمات كبيرة جدا للصناعة المغربية، وكانت بالفعل ذات أهمية كبيرة بالنسبة للمغرب، غير أن الصعوبات بدأت بعد خوصصتها، قبل أن تتفاقم الأزمة وتصل إلى مرحلة الإغلاق.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن إغلاق “سامير” خلف ديونا بلغت حوالي 41 مليار درهم تحملها دافع الضرائب المغربي، مضيفا في الوقت نفسه أن الملف لم يُغلق نهائيا بعد، بسبب استمرار دعاوى قضائية مرتبطة بالمصفاة تتضمن مطالب مالية ضخمة ضد المغرب.
وشدد المتحدث عينه على أنه لا يمكن اعتبار تجربة “سامير” نجاحا كاملا بالنظر إلى الإشكالات المالية والقضائية التي رافقتها، مؤكدا أن أي تحليل موضوعي لأسعار المحروقات عالميا لن يسمح بالتمييز بسهولة بين الدول التي تتوفر على مصاف لتكرير النفط وتلك التي لا تتوفر عليها.
وأضاف رحو أن أسعار المحروقات تبقى مرتفعة حتى في الدول التي تتوفر على مصافي تكرير، مستشهدًا بفرنسا التي يتجاوز فيها سعر اللتر يوروين رغم امتلاكها لبنيات تكرير متطورة، ما يؤكد أن التكرير ليس العامل الحاسم في تحديد الأسعار النهائية للمحروقات.
واسترسل رئيس مجلس المنافسة قائلاً إن المصفاة تعمل داخل سوق دولية شديدة التنافسية، موضحا أن شراء النفط الخام بأسعار أعلى من المنافسين يؤدي مباشرة إلى فقدان القدرة التنافسية، وهو ما اعتبر أنه من بين الأسباب الرئيسية التي واجهتها “سامير”.
مخزون المحروقات في قلب النقاش
وفي ما يخص التخزين، أوضح أحمد رحو أن مخزون الأمان يجب أن يُستخدم لضمان استمرارية التزويد وليس للتحكم في الأسعار، لافتاً إلى أن التخزين قد يبدو مريحًا خلال فترات ارتفاع الأسعار لأن المخزون يكون قد اشتُري بأسعار أقل، لكنه يتحول إلى عبء عندما تنخفض الأسعار عالميا بينما يكون المخزون قد تم اقتناؤه بثمن مرتفع.
ولفت المتحدث ذاته إلى أن الأسعار، حتى في حال توفر مخزون تم شراؤه بثمن منخفض، يجب أن تبقى مرتبطة بالسوق الدولية، معتبرا أن المستهلك لن يقبل بعدم انخفاض الأسعار في المغرب عندما تتراجع عالميًا فقط بسبب وجود مخزون يغطي عدة أشهر.
وذكر أن المجلس يوصي دائما بضرورة التوفر على مخزون استراتيجي يغطي ثلاثة أشهر من الاستهلاك، موضحا أن المغرب يتوفر حاليا على مخزون يغطي حوالي شهرين أو أكثر بقليل، وأن إشكالية التخزين لا ترتبط بغياب الخزانات، لأنها موجودة بالفعل.