كيف يحول المغرب الادخار إلى استثمار منتج دون المخاطرة بالاستقرار المالي؟

ملفات خاصة - 16-02-2026

كيف يحول المغرب الادخار إلى استثمار منتج دون المخاطرة بالاستقرار المالي؟

اقتصادكم - أسامة الداودي


‎لا يقاس تطور الاقتصادات الحديثة فقط بحجم الموارد المتاحة، بل بقدرتها على تحويل الادخار إلى استثمار منتج. 

‎وفي المغرب، يظل هذا التحول رهينا ببناء وعي مالي قادر على ربط المدخر الفردي بدينامية خلق القيمة داخل الاقتصاد الحقيقي.

‎خلال الجزء الأول من هذا الحوار، شددت الخبيرة الدولية في القطاع المالي، عبير كرول غردان، على أن التحدي الحقيقي للاقتصاد المغربي لا يكمن في ضعف الادخار، بل في غياب المنظومة التي توجهه نحو الاستثمار المنتج، معتبرة أن الثقافة المالية تشكل بنية تحتية غير مرئية لأي نمو اقتصادي مستدام.

‎وفي هذا الجزء من الحوار الذي أجراه موقع “اقتصادكم” مع عبير كرول غردان، ينتقل النقاش من مسألة توجيه الادخار إلى رهانات أعمق تفرضها التحولات العالمية، من تقلبات الأسواق إلى تنامي الاهتمام بالأصول البديلة، مع تسليط الضوء على جاهزية السوق المغربية، وحدود الانفتاح الآمن، ودور التمويل البديل في توسيع قاعدة الاستثمار.

‎وفيما يلي نص الحوار:


‎مع تقلبات الأسواق العالمية وعودة الاهتمام بالأصول البديلة (Private Equity، Real Estate، Crypto)، كيف تقيمون جاهزية السوق المغربية للتفاعل مع هذه التحولات دون تعريض الاستقرار المالي للمخاطر؟


‎التقلبات العالمية وعودة الاهتمام بالأصول البديلة لا تمثلان ظاهرة ظرفية، بل تعكسان تحولا بنيويا عميقًا في سلوك المستثمر، الذي بات يبحث عن تنويع مصادر العائد، والتحوط من التضخم، وأدوات أقل ارتباطًا بالدورات التقليدية للأسهم والسندات.

‎من هذا المنطلق، يمكن اختزال جاهزية السوق المغربية في فكرة محورية واحدة: المغرب يتوفر على أسس مشجعة جدًا، ويسير في مسار تطور سريع ومشرف، غير أن التفاعل الآمن مع هذه التحولات يقتضي الانتقال من منطق “تطوير المنتجات” إلى بناء منظومة متكاملة (Ecosystem) تجمع بين عمق السوق، وجودة الحكامة، والرقابة الاستباقية، وتمكين المستثمرين.

‎تتمثل عناصر القوة في السوق المغربية في ثلاث نقاط رئيسية، أولها الاستقرار النسبي على المستوى الماكرو-اقتصادي، إلى جانب الإرادة الواضحة لتطوير سوق الرساميل وتوجيهها نحو تمويل الاقتصاد.

‎وثانيها وجود مؤسسات تنظيمية ومالية تشكل قاعدة صلبة لتحديث الأطر القانونية والرقابية.

‎ثم ثالثها، توفر فرص حقيقية لربط رأس المال بالاقتصاد الحقيقي عبر الاستثمار في البنية التحتية، والصناعة، والطاقة، والتكنولوجيا.

‎إمكانية التفاعل مع هذه التحولات دون المساس بالاستقرار المالي تمر، في هذا التصور، عبر مقاربة “الانفتاح المنضبط”، المبنية على أربع ركائز عملية:

‎أولًا، الفصل الواضح بين الابتكار والمخاطر، بما يعني أن أي توسيع في مجال الأصول البديلة ينبغي أن يتم داخل قنوات منظمة: صناديق مرخصة، مديرون معتمدون، أمناء حفظ مستقلون، وتدقيق إلزامي. 

‎هذا الإطار يسمح بإدخال الابتكار دون نقل المخاطر إلى النظام البنكي أو إلى مدخرات الأسر بشكل غير محسوب.

‎ثانيًا، اعتماد إدماج تدريجي عبر منتجات جماعية بدل البيع المباشر للأفراد، فبدل دفع الأفراد إلى اتخاذ قرارات استثمارية معقدة، خصوصًا في مجالي Private Equity وCrypto، يكون توسيع الولوج عبر هياكل جماعية منخفضة التكلفة أكثر أمانًا، مع قواعد ملاءمة واضحة: مستوى فهم المخاطر، القدرة على تحملها، الأفق الزمني، ونسب الاستثمار القصوى داخل الثروة أو المحفظة.

‎ثالثًا، تعزيز أدوات الرقابة الاستباقية والاحتراز الكلي، من خلال اختبارات الضغط، وتتبع الرافعة المالية، ومراقبة سيولة الصناديق، وضبط حدود تركز المخاطر، خصوصًا وأن الأصول البديلة تتطلب مستوى أعلى من اليقظة الرقابية.

‎أما العملات المشفرة، فينبغي التعامل معها كملف حوكمة قبل اعتبارها مجال فرص، فهي تحمل ابتكارا تقنيًا مهما، لكنها في الوقت نفسه تنطوي على مخاطر مرتفعة، من تقلبات حادة، واحتيال، وغسل أموال، فضلًا عن ضعف حماية المستثمر في غياب تقنين شامل. 

‎وفي حال اختيار الانفتاح عليها، يفترض أن يتم ذلك عبر قواعد صارمة للامتثال (KYC/AML)، وترخيص ومراقبة المنصات، والفصل التام بين أموال العملاء، وتوجيه هذه المنتجات إلى فئات واعية بالمخاطر، مع تجنب ربطها المبكر بالادخار الشعبي أو بالنظام المالي.

‎الخلاصة أن السوق المغربية ليست متأخرة، بل توجد في لحظة مفصلية تتسم بتسارع التحول. 

‎وفي مثل هذا السياق، إما التعامل مع التحولات العالمية كمنتجات جديدة فحسب، أو استثمارها لبناء سوق رساميل أعمق وأكثر شفافية، قادرة على تمويل الاقتصاد الحقيقي وحماية المدخر الصغير. 

‎التوازن الضروري هنا يتمثل في الابتكار داخل حدود واضحة، لأن دمقرطة الاستثمار لا تعني تعميم المخاطر، بل تنظيم الولوج إلى خلق القيمة دون المساس بالاستقرار المالي.

 

‎من خلال تجربتكم في Funds وEquities وPERE وCrypto، ما الدور الذي يمكن أن تلعبه المنتجات الاستثمارية المبتكرة في دمقرطة الولوج إلى الاستثمار بالمغرب، خاصة لفائدة الشباب والطبقة المتوسطة؟

‎انطلاقا من تجربتي في مختلف فئات الأصول، يتبين أن المنتجات الاستثمارية المبتكرة قادرة على لعب دور محوري في دمقرطة الولوج إلى الاستثمار، شريطة أن تُصمَّم كجسور آمنة تربط صغار المستثمرين بالاقتصاد الحقيقي.

‎التمويل البديل يتيح خفض عتبة الدخول من خلال الصناديق الجماعية، والهياكل الرقمية منخفضة التكلفة، وإمكانية امتلاك حصص صغيرة في أصول كانت تاريخيًا حكرًا على فئات محدودة، وهو ما يكتسي أهمية خاصة بالنسبة للشباب والطبقة المتوسطة.

وتتحقق هذه الدمقرطة حين يتم تقسيم الأصول الكبيرة إلى وحدات قابلة للاستثمار، وحين يُؤطَّر القرار الاستثماري تلقائيًا ضمن أفق زمني محدد، وحدود مخاطر واضحة، وانضباط منهجي، بما يحول الاستثمار من قرار فردي متقطع إلى مسار طويل الأمد.

وفي هذا السياق، لا يشكل التمويل البديل نقيضًا للأسواق التقليدية، بل امتدادًا وظيفيًا لها، يملأ الفجوة بين الادخار غير المنتج وتمويل الاقتصاد خارج البورصة، خصوصًا لفائدة الشركات في مراحل النمو، والتي غالبًا ما تكون شركات ابتكار.

أما التقنيات الحديثة، بما فيها الكريبتو، فيبقى دورها الأساسي في المرحلة الحالية محصورًا في اختبار النماذج المستقبلية وبناء الكفاءات الرقمية، دون تعريض أدوات الادخار التقليدية لمخاطر غير محسوبة.

وبالتالي، فإن دمقرطة الاستثمار لا تعني إشراك الجميع في كل شيء، بل تعني تصميم منتجات ذكية تجعل الانضباط الاستثماري لدى الأفراد سلوكا تلقائيا، لا خيارا فرديا متروكا للتقدير الشخصي.