ارتفاع كلفة المعيشة يعيد الجدل حول أثر النمو على القدرة الشرائية

الاقتصاد الوطني - 16-02-2026

ارتفاع كلفة المعيشة يعيد الجدل حول أثر النمو على القدرة الشرائية

اقتصادكم- حنان الزيتوني

تتواصل في المغرب خلال السنوات الأخيرة نقاشات واسعة حول جدوى النمو الاقتصادي المعلن وقدرته على تحسين الأوضاع المعيشية للأسر، فبالرغم من تسجيل الناتج الداخلي الخام مستويات تفوق 160 مليار دولار وفق الأرقام الرسمية، إلا أن انعكاس هذا الأداء على القدرة الشرائية ما يزال محل تساؤل في ظل استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع تكاليف المعيشة. 

خلال بداية سنة 2026، عادت أسعار عدد من المواد الغذائية الأساسية إلى الارتفاع بعد فترة من التراجع النسبي في معدل التضخم العام. فقد سجلت أسعار الخضر والحبوب زيادات فاقت 15%، فيما ارتفعت أسعار اللحوم والدواجن بحوالي 12%، إلى جانب زيادات متواصلة في الزيوت ومواد استهلاكية أخرى. هذه التطورات ساهمت في ارتفاع كلفة سلة الاستهلاك اليومية، ما انعكس بشكل مباشر على ميزانيات الأسر، بما فيها الطبقة المتوسطة.

استمرار موجة ارتفاع الأسعار 

وفي هذا السياق قالت نعيمة الفتحاوي، البرلمانية عن حزب العدالة والتنمية، في تصريح لموقع "اقتصادكم" أن الحكومة “للسنة الخامسة على التوالي ما تزال عاجزة عن إيقاف موجة ارتفاع الأسعار التي تنهك الأسر”، معتبرة أن النمو الاقتصادي المسجل “لم يصل إلى جيوب المواطنين، وبقي مجرد رقم في التقارير الرسمية”، على حد تعبيرها. 

وأضافت البرلمانية ذاتها، أن عودة التضخم في المواد الغذائية الأساسية تعكس، بحسب رأيها، محدودية أثر السياسات المتخذة على الواقع المعيشي.

وعلى مستوى سوق الشغل، تشير المعطيات المتداولة إلى أن معدل البطالة بلغ نحو 13% سنة 2025، وهو من أعلى المستويات المسجلة خلال العقدين الأخيرين. وتبرز هذه النسبة بشكل أكبر في صفوف الشباب وسكان المدن الكبرى وبعض الجهات ذات الهشاشة الاقتصادية. كما أن فقدان فرص الشغل لم يعد مقتصرا على حديثي التخرج، بل طال فئات ذات خبرة، ما يعكس تحديات هيكلية في دينامية التشغيل.

 فرص العمل

وفي ما يتعلق بوعود خلق فرص العمل، أثير جدل حول حصيلة المناصب المحدثة خلال السنوات الأخيرة، إذ لم يتجاوز العدد المعلن 213 ألف منصب، وفق معطيات تم تداولها في النقاش البرلماني، مقابل هدف سابق كان يتحدث عن مليون منصب خلال خمس سنوات. كما تم تسجيل إغلاق أكثر من 12 ألف مقاولة صغيرة نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج والضرائب، وهو ما أثر على النسيج الاقتصادي المحلي وعلى استدامة فرص العمل، خاصة في القطاعات الصغيرة والمتوسطة.

القطاع الفلاحي بدوره واجه ضغوطا إضافية بفعل توالي سنوات الجفاف وارتفاع أسعار المدخلات الزراعية. وتشير التقديرات إلى تراجع الإنتاج الزراعي بنحو 8% مقارنة بالسنة الماضية، مقابل ارتفاع واردات الحبوب بحوالي 20%، ما زاد من انكشاف السوق الوطنية على تقلبات الأسعار الدولية وأعاد النقاش حول الأمن الغذائي إلى الواجهة.

 دعم المقاولات

أما بخصوص دعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، فتفيد المعطيات بأن نسبة المستفيدين من برامج الدعم لم تتجاوز 18% من مجموع المقاولات، وهو ما يطرح تساؤلات حول فعالية آليات المواكبة والتحفيز. كما أن الاستثمارات العمومية، رغم أهميتها وحجمها، تركزت بشكل كبير في مشاريع كبرى، بينما يرى بعض المتابعين أن أثرها على التشغيل المحلي وتحسين الخدمات الأساسية ما يزال دون التطلعات.

في المحصلة، تعكس هذه المؤشرات تداخلا معقدا بين تحديات التضخم، تباطؤ خلق فرص الشغل، وضغوط المناخ والاقتصاد الدولي. وبينما تؤكد الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات وتعزيز ركائز الدولة الاجتماعية، ترى أصوات معارضة أن النتائج المحققة لم ترتق بعد إلى مستوى الانتظارات. ويبقى الرهان الأساسي في المرحلة المقبلة هو تحقيق نمو أكثر شمولا، قادر على تحويل الأرقام الماكرو-اقتصادية إلى تحسن ملموس في مستوى عيش المواطنين.