اقتصادكم
رغم الزخم الاستثماري الذي شهده المغرب خلال السنوات الأخيرة، لا تزال مؤشرات النمو والتشغيل بعيدة عن الأهداف التي رسمها النموذج التنموي الجديد، وفق ما خلص إليه تقرير حديث صادر عن مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي، والذي دق ناقوس الخطر بشأن محدودية الأثر الاجتماعي للاستثمارات الضخمة التي تم ضخها في الاقتصاد الوطني.
وأوضح التقرير أن الاقتصاد المغربي لم يتمكن من بلوغ معدل النمو السنوي المستهدف، المحدد في أكثر من 6 في المائة كحد أدنى لتحقيق تحول اقتصادي حقيقي، حيث ظل الأداء الاقتصادي محصوراً في مستويات تراوحت بين 3 و4 في المائة، وهي نسب اعتبرها التقرير غير كافية لاستيعاب الطلب المتزايد على الشغل وتحقيق الإقلاع التنموي المنشود.
وتبرز المعطيات الواردة في التقرير حجم التناقض بين المؤشرات الاستثمارية والنتائج المحققة على أرض الواقع، إذ تمت المصادقة على 381 مشروعاً استثمارياً بقيمة إجمالية ناهزت 581 مليار درهم، مع توقعات بإحداث نحو 245 ألف فرصة عمل. كما سجلت الاستثمارات الأجنبية المباشرة مستويات قياسية بلغت 56 مليار درهم خلال سنة 2025، غير أن هذه الدينامية لم تنعكس بالشكل الكافي على سوق الشغل.
ويرى التقرير أن الإشكال لا يرتبط بحجم الاستثمارات بقدر ما يرتبط بطبيعتها، مشيراً إلى أن جزءاً مهماً منها يتركز في قطاعات تعتمد بشكل مكثف على التكنولوجيا ورأس المال، ما يجعل قدرتها على خلق فرص العمل محدودة مقارنة بحجم الأموال المستثمرة. وفي المقابل، تظل القطاعات الأكثر قدرة على استيعاب اليد العاملة تعاني ضعفاً هيكلياً من حيث الإنتاجية والقيمة المضافة.
وبحسب المصدر ذاته، فإن سوق الشغل بات يواجه اختلالاً متزايداً نتيجة غياب الانسجام بين السياسات الاستثمارية وأهداف التشغيل، حيث يتم التركيز على جذب المشاريع الكبرى دون وضع آليات كافية لضمان مساهمتها الفعلية في خلق مناصب شغل مستقرة ومستدامة، خاصة لفائدة الشباب وحاملي الشهادات.
وسجل التقرير أن عدداً من الوظائف المحدثة يظل مرتبطاً بأنشطة موسمية أو خدماتية منخفضة القيمة المضافة، وهو ما يحد من قدرتها على تحسين مستويات الدخل أو تعزيز الاستقرار المهني والاجتماعي، فضلاً عن استمرار التفاوتات المجالية بين مختلف جهات المملكة.
وفي إطار البحث عن حلول عملية، دعا التقرير إلى إعادة توجيه السياسات الاقتصادية نحو نموذج يجعل التشغيل في صلب عملية التقييم الاقتصادي للمشاريع الاستثمارية، مع اعتماد مؤشرات ترتكز على عدد ونوعية فرص العمل التي يتم إحداثها، وليس فقط على حجم الاستثمارات أو قيمة رؤوس الأموال المستقطبة.
كما أوصى بربط مختلف أشكال الدعم العمومي والامتيازات الممنوحة للمستثمرين، سواء كانت ضريبية أو عقارية أو جمركية، بالتزامات واضحة وقابلة للقياس في مجال التشغيل، بما يضمن تحقيق مردودية اجتماعية واقتصادية أكبر للمال العام.