منظومة التأمين ضد الكوارث بالمغرب.. مكسب مؤسساتي وإشكالات التعويضات

الاقتصاد الوطني - 18-03-2026

منظومة التأمين ضد الكوارث بالمغرب.. مكسب مؤسساتي وإشكالات التعويضات

اقتصادكم - أسامة الداودي 

عاد ملف تعويض ضحايا الكوارث الطبيعية بالمغرب إلى واجهة النقاش العمومي، خاصة بعد تداعيات زلزال الحوز وتكرار الفيضانات، وما رافقها من تساؤلات حول مدى فعالية منظومة التأمين في حماية المتضررين وضمان حقوقهم.

ويأتي هذا النقاش في ظل تعزيز آليات تمويل نظام الكوارث واعتماد مقاربة تجمع بين التأمين والتضامن، لتواجه تحديات الاستجابة المنصفة والسريعة لمختلف الحالات.

نظام EVCAT مكسب سيادي

وفي هذا الصدد، أكد الخبير في التأمينات وتدبير المخاطر، خالد لعسيري، أن التعامل مع الكوارث الطبيعية في المغرب لا يمكن فصله عن الإشادة بالقفزة النوعية التي حققتها المملكة من خلال إرساء نظام تغطية عواقب الوقائع الكارثية (EVCAT)، مبرزا أن هذا النظام يشكل خيارا سياديا جريئا مكّن المغرب من الانضمام إلى دائرة الدول التي تتوفر على منظومة مؤسساتية لحماية المتضررين من الكوارث.

وأوضح خالد لعسيري، في تصريح لموقع "اقتصادكم"، أن هذا النظام لا يقتصر على كونه إطارا قانونيا، بل يعكس رؤية تضامنية تجمع بين القطاع الخاص وصندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية، بما يضمن عدم ترك المواطنين في مواجهة الكوارث الطبيعية دون دعم، ذاكراً أن المغرب نجح في وقت وجيز في بناء منظومة متقدمة نسبيا على المستوى الإقليمي في هذا المجال.

ولم تمنع أهمية هذا الورش الخبير في التأمينات من التأكيد على اصطدامه بواقع التطبيق خلال اختبار “زلزال الحوز”، إذ كشفت مرحلة التنفيذ عن مجموعة من الاختلالات، خاصة على مستوى تدبير التعويضات بعد عمليات الخبرة، وهو ما أثار جدلا واسعا في صفوف المتضررين.

وتابع المتحدث ذاته أن الأشهر التي تلت صرف التعويضات عرفت موجة من عدم الرضا لدى عدد من المؤمن لهم، الذين اعتبروا أن منطق التوازنات المالية لشركات التأمين طغى على منطق الحماية، موضحا أن الإشكال الأساسي تمثل في مساطر الخبرة، حيث تبين لعدد من المتضررين أن مبالغ التعويض المقترحة لا تغطي الحد الأدنى من تكاليف الإصلاح.

وزاد لعسيري أن غياب الوضوح في المعايير المعتمدة لتقييم الأضرار ساهم في تعميق هذا الإحساس بعدم الإنصاف، إذ برز تفاوت واضح بين حجم الخسائر الفعلية وقيمة التعويضات، ما دفع العديد من المتضررين إلى التساؤل حول مدى قدرة نظام التأمين على أداء دوره الحقيقي في الحماية، بدل الاكتفاء بوظيفة شكلية.

إصلاحات ضرورية لضمان الإنصاف والنجاعة

كما أورد الخبير ذاته أن إشكالية أخرى برزت على المستوى الإداري، تتمثل في تركيز شركات التأمين كل مواردها البشرية والتقنية على تدبير ملفات الكوارث عند وقوعها، وهو ما يؤدي إلى تعطيل أو تأخير معالجة ملفات أخرى جارية، مثل حوادث السير أو الأضرار العادية، مما يخلق حالة من التراكم ويؤثر على جودة الخدمات التأمينية.

ولفت المتحدث إلى أن هذا التركيز الحصري على الملفات المرتبطة بالكوارث يضرب مبدأ الاستمرارية في الخدمات، ويجعل فئة من المؤمن لهم خارج دائرة الأولوية.

وشدد لعسيري على أن تجاوز هذه الاختلالات يقتضي إدخال إصلاحات عملية تضمن مزيدًا من الإنصاف والنجاعة، من بينها الفصل الإداري في تدبير ملفات الكوارث عن باقي الملفات، عبر اعتماد خطط استمرارية تضمن معالجة متوازنة لمختلف الطلبات دون الإضرار بمصالح المؤمن لهم.

ولفت إلى أنه من الضروري أيضًا مراجعة معايير الخبرة من خلال اعتماد دليل مرجعي وطني يأخذ بعين الاعتبار تطور أسعار مواد البناء وخصوصيات كل منطقة، بما يسمح بتحديد تعويضات أكثر واقعية وإنصافا، تعكس حجم الأضرار الفعلية.

وفي هذا الإطار، أشار إلى أهمية إحداث آلية مستقلة للتحكيم، على شكل “وسيط الكوارث”، تمكن المتضررين من الطعن في نتائج الخبرة بشكل سريع وفعال، دون الاضطرار إلى اللجوء لمساطر قضائية طويلة ومعقدة.

وأضاف أن تحسين التواصل مع المؤمن لهم يظل عنصرا أساسيا في تعزيز الثقة، من خلال تبسيط اللغة المعتمدة في شرح الحقوق والواجبات، والابتعاد عن المصطلحات التقنية المعقدة، بما يضمن فهمًا واضحا للنظام قبل وقوع الكارثة.

إصلاح التعويضات ضرورة لتعزيز الثقة

وفي ختام تصريحه، أكد الخبير في التأمينات أن نظام (EVCAT) يظل مكسبا وطنيا مهما، غير أن تجربة زلزال الحوز أظهرت أن فعالية هذا النظام تقاس بمدى قدرته على إنصاف المتضررين، مشددًا على أن مراجعة آليات الخبرة والتعويض تمثل خطوة ضرورية لتحويله من مشروع واعد إلى منظومة موثوقة تحظى بثقة المواطنين.

وسجّل أن المرحلة الراهنة، في ظل تكرار الكوارث الطبيعية، تفرض التساؤل حول مدى استيعاب الفاعلين للدروس المستخلصة، ومدى قدرتهم على ضمان تعويضات أكثر سرعة وشفافية في حالات مثل الفيضانات، تفاديا لتكرار الإشكالات التي رافقت تدبير تعويضات الزلزال.