اقتصادكم-حنان الزيتوني
كشف تقرير النسخة الثالثة من المساهمة المحددة وطنيا (CDN 3.0) في إطار اتفاق باريس الذي نشر في شتنبر 2025، أن انبعاثات الغازات الدفيئة في المغرب شهدت ارتفاعا ملحوظا خلال الثلاثين سنة الماضية، مدفوعة بتوسع الأنشطة الاقتصادية، وتسارع وتيرة التمدن، وارتفاع الطلب على النقل والطاقة.
ويتضمن هذا التقرير مراجعة تحدد الالتزامات الجديدة للمملكة في مجال خفض انبعاثات الغازات الدفيئة والتكيف مع آثار التغير المناخي، بما ينسجم مع الاستراتيجية الوطنية منخفضة الكربون في أفق سنة 2050.
وأوضح التقرير، التي اطلع موقع "اقتصادكم" على نسخة منه، أن المغرب يواجه معادلة دقيقة تتمثل في ضرورة التوفيق بين تسريع النمو الاقتصادي وتلبية الحاجيات الطاقية المتزايدة من جهة، والالتزام بالأهداف المناخية الدولية من جهة أخرى.
تضاعف الانبعاثات خلال ثلاثة عقود
وأشارت المعطيات ذاتها إلى أن الانبعاثات الوطنية بلغت سنة 2024 ما مجموعه 108.736 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، مقابل 42.487 مليون طن فقط سنة 1990، ما يعني أنها تضاعفت بأكثر من مرتين خلال هذه الفترة.
كما ارتفعت الانبعاثات الفردية من 1.708 طن سنويا سنة 1990 إلى 2.809 طن سنة 2024. في المقابل، سجلت كثافة الكربون المرتبطة بالناتج الداخلي الخام تراجعاً إلى 0.310 طن لكل ألف دولار، وهو ما يعكس تحسنا نسبيا في النجاعة الطاقية، رغم استمرار ارتفاع الحجم الإجمالي للانبعاثات.
ورغم هذا المنحى التصاعدي، تؤكد الدراسة أن مساهمة المغرب في الانبعاثات العالمية تظل محدودة، إذ لا تتجاوز 0.2 في المائة من الإجمالي العالمي.
القطاعات الأكثر مساهمة في الارتفاع
ويظهر تحليل الانبعاثات حسب القطاعات تفاوتا واضحا في وتيرة النمو، فقد سجل قطاع الطاقة وإنتاج الكهرباء ارتفاعا يقارب 250 في المائة مقارنة بسنة 1990، بينما عرف قطاعا المباني والنقل زيادات تجاوزت 300 في المائة خلال الفترة نفسها.
أما الانبعاثات المرتبطة بالأنشطة الصناعية فارتفعت بنسبة 74 في المائة، في حين سجل قطاع استغلال الوقود تراجعا لافتا بلغ 76 في المائة.
وعند المقارنة بسنة 2023، تشير البيانات إلى شبه استقرار في إجمالي الانبعاثات خلال سنة 2024، ما قد يعكس بداية تباطؤ نسبي في وتيرة النمو الكربوني.
هدف استراتيجي.. خفض 53 في المائة بحلول 2035
وفي إطار مساهمته المحددة وطنيا، التزم المغرب بخفض انبعاثات الغازات الدفيئة بنسبة 53 في المائة بحلول سنة 2035، مقارنة بسيناريو مرجعي يفترض استمرار الانبعاثات في منحاها التصاعدي.
ووفق هذا السيناريو، كانت الانبعاثات مرشحة للانتقال من 76.28 مليون طن سنة 2010 إلى 166.47 مليون طن بحلول 2035، في حال عدم اتخاذ إجراءات إضافية للتقليص.
القطاعات التي ستقود عملية التخفيض
وحدد التقرير القطاعات الرئيسية التي ستتحمل الجزء الأكبر من مجهود خفض الانبعاثات، بإجمالي تقليص متوقع يصل إلى 88.23 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون بحلول سنة 2035.
وتتوزع أبرز المساهمات المرتقبة على النحو التالي:
إنتاج الكهرباء: 36.70 مليون طن
الصناعة خارج الإسمنت والفوسفاط: 10.69 مليون طن
الفوسفاط: 8.35 مليون طن
النقل: 7.48 مليون طن
الفلاحة: 9.47 مليون طن
قطاع النفايات: 5.59 مليون طن
المباني: 4.15 مليون طن
الغابات: 3.76 مليون طن
صناعة الإسمنت: 2.54 مليون طن
رهان التمويل الدولي وتسريع الانتقال الطاقي
ومن بين أبرز خلاصات التقرير أن 31.4 في المائة من مجهود التخفيض المعلن سيعتمد، بشكل مباشر أو غير مباشر، على التمويلات الدولية، سواء عبر آليات الاستثمار المناخي أو أسواق الكربون.
وأكد التقرير أن المغرب دخل مرحلة مفصلية في مساره المناخي. فالتحدي لم يعد يقتصر على تقليص الانبعاثات فحسب، بل أصبح يرتبط بإعادة صياغة النموذج الطاقي والاقتصادي بشكل يحقق التوازن بين متطلبات التنمية وتقليص الأثر البيئي، ضمن رؤية طويلة الأمد تستحضر رهانات السيادة الطاقية والاستدامة.