اقتصادكم - أسامة الداودي
أصبحت الرقمنة اليوم في صلب إصلاح الإدارة العمومية بالمغرب، خاصة في ما يتعلق بالمساطر المرتبطة بالاستثمار والأعمال، حيث يُنظر إليها كأداة لتسريع الإجراءات وتعزيز الشفافية.
غير أن هذا التوجه يطرح تساؤلات جوهرية حول أثره الحقيقي على تعقيد المنظومة القانونية، بين من يعتبره تقدما ملموسا، ومن يرى أنه لم يتجاوز نقل الإشكالات التقليدية إلى الفضاء الرقمي.
إطار قانوني مؤطر
وفي هذا السياق، أكد الباحث في القانون الاقتصادي، زكرياء الزوجال، أن المملكة راهنت منذ بداية الألفية الثالثة على التحول الرقمي كخيار استراتيجي لتحديث الإدارة العمومية وتحسين مناخ الأعمال وجذب الاستثمارات، وذلك عبر إطلاق استراتيجيات متعاقبة، من قبيل “المغرب الرقمي 2013” و”المغرب الرقمي 2020” و”استراتيجية المغرب الرقمي 2030".
وتابع زكرياء الزوجال، في تصريح لموقع "اقتصادكم"، أن المغرب اعتمد ترسانة قانونية مؤطرة، تشمل القانون 88.17 المتعلق بإحداث المقاولات إلكترونيا، والقانون 55.19 الخاص بتبسيط المساطر، فضلا عن مرسوم الصفقات العمومية الجديد.
وأبرز الباحث في القانون الاقتصادي، أن هذه الدينامية التشريعية والمؤسساتية ترجمت إلى إطلاق عدد من المنصات الرقمية، من بينها بوابة الصفقات العمومية، ومنصة إحداث المقاولات، والخدمات الإلكترونية للإدارة الجبائية والجمارك.
واعتبر أن هذه الأدوات ساهمت بشكل ملحوظ في تسهيل المساطر الإدارية وتقليص زمن إنجازها، خاصة في ما يتعلق بإحداث المقاولات والتصريحات الجبائية، حيث تم اختزال الآجال إلى مدد قياسية لا تتجاوز في المتوسط بضعة أيام، وهو ما انعكس إيجابا على تقليص الكلفة المرتبطة بالانتظار وتكرار الاستشارات القانونية.
كما ذكر أن من أبرز تجليات هذا التحول الرقمي إحداث منصة إلكترونية مخصصة لإنشاء المقاولات، استنادا إلى مقتضيات القانون 88.17 الصادر سنة 2019، إلى جانب تفعيل دور المكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية في تدبير هذه المنصة، بما ينسجم مع اختصاصاته الجديدة، ويساهم في توحيد مساطر إحداث المقاولات وتبسيطها بشكل ملموس.
وأضاف الزوجال أن الرقمنة شملت أيضا المساطر الجبائية، حيث تم اعتماد التبليغ الإلكتروني والتذكير الضريبي عبر الوسائط الرقمية لفائدة المقاولات والأشخاص الذاتيين، فضلا عن إحداث منصة خاصة بتحصيل الضريبة على القيمة المضافة المرتبطة بالخدمات الرقمية، وهو ما ساهم في تحسين التواصل بين الإدارة والملزمين وتبسيط الإجراءات المرتبطة بالأداء والتصريح.
رقمنة الصفقات العمومية
وفي ما يتعلق بالصفقات العمومية، أشار المتحدث إلى أن المغرب نجح في نزع الطابع المادي عن عدد من المساطر والوثائق، من خلال اعتماد بوابة إلكترونية موحدة، مكنت من رقمنة مختلف مراحل الصفقات، إلى جانب تحديث المساطر الجمركية عبر نظام “e-douane”، الذي أتاح تقديم طلبات الإعفاء والتصريح وأداء الرسوم الجمركية إلكترونيا باستخدام البطاقة البنكية.
كما أبرز أن هذا التوجه شمل كذلك المجال العقاري والتجاري، من خلال رقمنة بعض خدمات الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، واعتماد نظام السجل التجاري الإلكتروني المؤطر بمقتضى المرسوم 2.20.956، إضافة إلى التدبير الإلكتروني لعمليات التحفيظ العقاري، وهو ما يعكس اتجاها عاما نحو تحديث مختلف حلقات المعاملات الاقتصادية.
وشدد الباحث ذاته على أن هذه التحولات الرقمية وفرت أرضية موحدة للمعاملات، وساهمت في الحد من تعدد التفسيرات الإدارية التي كانت تشكل مصدرًا لعدم اليقين القانوني، وهو ما أدى إلى تقليص الحاجة إلى الاستشارات القانونية المرتبطة بتفسير النصوص وتحديد الإجراءات، بما يعزز وضوح الرؤية لدى المستثمرين.
غياب تكامل المنصات
غير أن الزوجال أوضح أن هذا التقدم، رغم أهميته، لم ينعكس بشكل جوهري على تخفيض الكلفة القانونية الإجمالية، مرجعا ذلك إلى غياب التكامل بين المنصات الرقمية، حيث يضطر المستثمر إلى التنقل بين عدة بوابات وإعادة إدخال المعطيات نفسها، ما يؤدي إلى إعادة إنتاج التعقيد الإداري في صيغة رقمية جديدة بدل القضاء عليه.
وأضاف أن محدودية الربط بين قواعد البيانات المؤسساتية تظل من أبرز الإشكالات، إذ إن تبادل المعطيات بين مؤسسات مثل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وإدارة الجمارك، ووزارة العدل، والوكالة العقارية، لا يزال جزئيا، ما يفرض على المستثمر تقديم الوثائق نفسها أكثر من مرة، ويحد من فعالية الرقمنة.
وفي السياق نفسه، أشار إلى استمرار تعقيد بعض المساطر غير الرقمية، خاصة في المجال العقاري، حيث لا تزال النزاعات وتباين قواعد البيانات بين المؤسسات المعنية تُعالج خارج الفضاء الرقمي، ما يحد من الأثر الشامل للتحول الرقمي على المنظومة القانونية.
وزاد موضحا أن هناك فجوة واضحة بين سرعة إصدار القوانين وبطء تنزيلها، مستدلا بتأخر إصدار النصوص التنظيمية المرتبطة بالقانون 88.17، التي لم تُنشر إلا بعد مدة طويلة، رغم تحديد أجل قانوني لا يتجاوز سنة واحدة، وهو ما يؤثر سلبا على فعالية هذه الإصلاحات.
وخلص الباحث في القانون الاقتصادي إلى أن الرقمنة في المغرب حققت تقدما ملموسا في تحسين الكفاءة الإجرائية وتقليص الزمن والأعباء الورقية، غير أنها لم تنجح بعد في معالجة جوهر الكلفة القانونية، المرتبط أساسا بمراحل أكثر تعقيدا، مثل العقار والنزاعات وتعدد المتدخلين وغموض الاختصاصات، وهي مجالات لا تزال في حاجة إلى إصلاحات أعمق وشمولية.