ما بعد التنظيم الرياضي.. كيف يحول المغرب الثقة الدولية إلى نفوذ استراتيجي؟

ملفات خاصة - 01-01-2026

ما بعد التنظيم الرياضي.. كيف يحول المغرب الثقة الدولية إلى نفوذ استراتيجي؟

اقتصادكم - أسامة الداودي

في ظل التحولات الجيوسياسية بإفريقيا والضفة المتوسطية، تتقاطع رهانات المغرب بين استثمار الزخم الرياضي وتعزيز حضوره الأمني في الساحل، ضمن مقاربة تسعى لتحويل الاستقرار إلى نفوذ دبلوماسي واقتصادي مستدام.

وتعليقا على الموضوع، أكدت أستاذة العلاقات الدولية والتواصل السياسي بكلية العلوم القانونية والسياسية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، أمال بنبراهيم، أن دبلوماسية الرياضة تشكل اليوم إحدى أقوى أدوات القوة الناعمة التي راكمها المغرب، خصوصًا مع تنظيم كأس أمم إفريقيا 2025، وتثبيت استضافة مونديال 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال، وهو مسار يمنح المملكة رصيدًا رمزيا واستراتيجيا يتجاوز بكثير حدود المنافسة الرياضية.

وتابعت أمال بنبراهيم، في تصريح لموقع "اقتصادكم"، بأن المغرب، خارج المستطيل الأخضر، يراكم من خلال هذا المسار صورة دولة منظمة، منضبطة، وقادرة على إنجاز مشاريع كبرى في آجال واضحة وبجودة عالية، مشيرة إلى أن سنة 2026 ستُفتتح بزخم إعلامي إيجابي يمنح المملكة رأسمالًا معنويا ثمينا، ويعزز الثقة الدولية في قدراتها المؤسساتية.

وأكدت أن هذا التراكم لا ينبغي أن يُستهلك ظرفيًا، بل يجب إدماجه ضمن رؤية طويلة المدى تسمح بتحويل الرياضة إلى لغة دبلوماسية قائمة بذاتها، تفتح قنوات التأثير داخل دوائر القرار الأوروبية والدولية، وتكرّس موقع المغرب داخل شبكات التعاون المبنية على الثقة والاستقرار.

وذكرت بنبراهيم أن الربح الاقتصادي الحقيقي لا يتجسد في العائدات المباشرة لتنظيم كأس أمم إفريقيا فقط، بل في تحويل الحدث إلى منصة دائمة لجذب الاستثمار وإبرام الشراكات، معتبرة أن البنيات الرياضية وما رافقها من تطوير للخدمات والنقل والاتصال تشكل رسالة قوية للمستثمرين مفادها أن المغرب بيئة موثوقة وقادرة على احتضان المشاريع الكبرى.

واسترسلت بنبراهيم قائلة إن سنة 2026 تمثل لحظة مفصلية لإقفال هذه الحلقة عبر أدوات عملية واضحة، من بينها تنظيم منتديات أعمال موازية تربط الرعاة العالميين بالمقاولات المحلية، وإطلاق “حزم فرص” استثمارية في المدن المستضيفة، إضافة إلى تحويل عقود الأشغال والتجهيز إلى سلاسل قيمة حقيقية تعزز التشغيل والتصنيع المحلي بدل الاكتفاء بالإنفاق الرأسمالي.

كما أوردت أن الرهان السياحي لا يقتصر على استقطاب الزوار خلال أسابيع المنافسة، بل يتمثل أساسًا في إطالة أمد الأثر وتحويل المدن المستضيفة إلى وجهات مستدامة في الذاكرة العالمية، من خلال تطوير العروض المرتبطة بالرياضة والترفيه، وإرفاقها بتحسين الربط الجوي وتسهيل التنقل الداخلي.

وشددت على أن النجاح الحقيقي يكمن في إدارة “كان 2025” كحلقة أولى ضمن سردية طريق 2030، بحيث تتحول كل مكاسب التنظيم والبنية التحتية والثقة الإعلامية إلى رأسمال قابل للتدوير داخل الدبلوماسية الاقتصادية، عبر اتفاقيات رعاية طويلة الأمد، وشراكات مدن متوسطية، وجذب فعاليات دولية إضافية.

وفيما يتعلق بالبعد الإفريقي، أوضحت بنبراهيم أن الدور المغربي في منطقة الساحل يندرج ضمن مقاربة واقعية ومتدرجة في التعامل مع هشاشة أمنية متفاقمة، مؤكدة أن الشراكة الأمنية لم تعد مجرد تعاون تقني، بل أصبحت جزءًا من إعادة تشكيل خرائط النفوذ في غرب القارة الإفريقية.

وتطرقت المتحدثة عينها إلى أن هذا الدور يقوم على مقاربة متعددة الأبعاد، يرتكز أولها على الخبرة الاستخباراتية التي راكمها المغرب، والتي مكّنته من بناء شراكات فعالة في مجال تبادل المعلومات والتفكيك الاستباقي للتهديدات العابرة للحدود.

وأشارت إلى أن البعد الثاني يتمثل في الدبلوماسية الدينية، التي تسعى إلى تحصين المجتمعات من التطرف عبر الاشتغال على الجذور الفكرية والرمزية له، من خلال تكوين الأئمة ونشر خطاب ديني معتدل، يكمل المقاربة الأمنية ولا يعوضها.

وأضافت أن البعد الثالث للدور المغربي في الساحل يقوم على ربط الأمن بالتنمية والبناء اللوجستي، عبر مبادرات تروم فك العزلة الاقتصادية عن الدول غير المطلة على البحر، وجعل الاستقرار الأمني مدخلًا لإدماجها في شبكات الاستثمار والتجارة القارية.

ولفتت المتحدثة ذاتها إلى أن المغرب يحرص، من خلال هذا النهج، على تقديم نفسه كشريك يحترم سيادة الدول وخصوصياتها السياسية، ويوازن بين الأمن والتنمية، مع تحويل الثقة الأمنية إلى اعتماد متبادل ونفوذ سياسي واقتصادي متنام.

وزادت موضحة أن هذا التموقع يمنح المغرب فرصة حقيقية لترسيخ نفسه كحلقة يصعب تجاوزها في مجالات التكوين، والتنسيق، والربط اللوجستي، خاصة في سياق التحولات التحالفية الحادة التي تعرفها منطقة الساحل، والتي تدفع بعض دولها إلى البحث عن شركاء جدد بعيدًا عن الحلفاء التقليديين.