ما الذي يفسر ضعف مردودية الاستثمار رغم ارتفاع وتيرته في المغرب؟

ملفات خاصة - 07-01-2026

ما الذي يفسر ضعف مردودية الاستثمار رغم ارتفاع وتيرته في المغرب؟

اقتصادكم-حنان الزيتوني


في السنوات الأخيرة، عزز المغرب من وتيرة استثماراته العامة والخاصة، ووصل معدل الاستثمار إلى مستويات تعد متقدمة مقارنة بدول أخرى من نفس الفئة الاقتصادية، لكن، وعلى الرغم من هذا الحجم الاستثماري الكبير، لا تزال مردودية الاستثمار ضعيفة، ولا ينعكس ذلك بالشكل المطلوب على معدل النمو الاقتصادي أو خلق فرص الشغل.

الاستثمار الكبير.. والنمو الاقتصادي المحدود

وتشير البيانات الرسمية إلى أن المغرب يخصص نسبة قد تتراوح بين 25 و30 في المائة من الناتج الداخلي الخام للاستثمار سنويا، وهو معدل يفوق كثيرا ما هو عليه في بعض الاقتصادات الناشئة، ومع ذلك، لا يتجاوز معدل النمو السنوي عادة 3–4 في المائة. 

وهذه المعادلة تطرح سؤالا جوهريا: لماذا لا تنتقل الأموال المستثمرة إلى زيادة إنتاجية الاقتصاد وخلق فرص عمل مستدامة؟ بحسب الخبراء، يكمن الجواب في ضعف فعالية هذا الاستثمار وليس مجرد حجمه.

ضعف العائد على الاستثمار.. مؤشر ICOR

وفي نفس السياق من الضروري الإشارة أنه من أحد أبرز المؤشرات الاقتصادية المستخدمة لتقييم فعالية الاستثمار هو ما يعرف بـ “معدل رأس المال إلى الناتج المتزايد” (ICOR)، الذي يقيس كمية رأس المال المطلوبة لتحقيق وحدة واحدة من النمو الاقتصادي. 

وتشير تحليلات اقتصادية إلى أن المغرب يحتاج استثمارا أعلى بكثير يتراوح بين 7 إلى 9 وحدات من الاستثمار لتحقيق نقطة نمو واحدة مقارنة بدول مثل فيتنام أو تركيا التي تحتاج إلى 3–4 وحدات فقط لنفس النتيجة. 

أساسيات بلا إنتاجية عالية

ويعود جزء من ضعف الأداء إلى تركيز كبير على مشاريع البنية التحتية الأساسية كالطرق والطاقة الكبرى والمرافق العمومية التي قد تستغرق سنوات طويلة قبل أن تظهر تأثيرها الحقيقي في الإنتاجية الوطنية، وفي المقابل، لا يزال هناك نقص في الاستثمارات التركيبية والتكنولوجية المتقدمة التي تعزز الإنتاج الحقيقي والمنافسة في الأسواق الدولية. 

وهذا الانحياز نحو البنى الأساسية التقليدية يجعل الاقتصاد المغربي أقل قدرة على تحويل الاستثمارات إلى منتجات ذات قيمة مضافة عالية، وهو ما يحد من قدرة الاستثمارات على خلق وظائف تنافسية ومستدامة، وفق الخبراء.

البيروقراطية والفساد.. عقبات أمام الاستثمار

وبعيدا عن الأرقام، تلعب البيئة الاقتصادية والمؤسساتية دورا حاسما في فعالية الاستثمار، وتشير تقارير متعددة إلى أن الفساد والبيروقراطية المعقدة يمثلان عقبات حقيقية أمام المشاريع الاستثمارية، ووفق دراسة شملت رؤساء شركات ومقاولات، فإن ما يقارب 68% يرون أن الفساد يؤثر بشكل مباشر على قدرة الأعمال في التوسع والاستفادة الحقيقية من الاستثمارات. 

فالفساد وفق المحللين لا يعرقل فقط الإجراءات الإدارية، بل يؤدي إلى استنزاف موارد الشركات الصغيرة والمتوسطة، ويشل روح المبادرة لدى الفاعلين الاقتصاديين.

سوق العمل ونقص المهارات.. حلقة مفرغة

ومن العوامل الأخرى التي تحد من فعالية الاستثمار هو ضعف ملاءمة سوق العمل لمتطلبات الصناعة الحديثة، فهناك فجوة بين الاحتياجات الفعلية لسوق الشغل والتكوين المهني المتاح، ما يجعل كثيرا من الاستثمارات في القطاعات التقنية أو الصناعية غير قادرة على الاندماج بجودة عالية في الاقتصاد. 

وبهذا، نجد أن استثمارا كبيرا في بعض القطاعات كثيفة رأس المال لا يترجم بالضرورة إلى زيادة في فرص العمل الجيدة، ويظل التأثير محدودا على معدلات البطالة خاصة بين الشباب.

جودة الاستثمار أهم من كميته

ووفق آراء عدد من الخبراء الاقتصاديين والمحللين، يتفقون في أن المعادلة الحقيقية ليست في حجم الاستثمار بقدر ما هي في كيفية استغلاله، فالاستثمار الذي يوجه إلى التعليم، والتكوين المهني المتخصص، والابتكار التكنولوجي، وروح المقاولة الفعالة هو الذي يحدث تحويلا حقيقيا في مستويات النمو والإنتاجية.

وهنا يتقاطع الرأي العام والتحليلات الاقتصادية، حيث يرى البعض عبر مواقع التواصل أن الاقتصاد المغربي يحتاج إلى تركيز على الإنسان والمواطن بدل المشاريع الكبرى التي لا تترجم بسرعة إلى منافع ملموسة في حياة الناس مثل الصحة والتعليم وفرص العمل.

ففي واقع الأمر، يمكن القول إن الاستثمار في المغرب ليس بلا جدوى، لكنه ليس فعالا بما يكفي، حيث أن الإشكالية لا تكمن في قلة الأموال المستثمرة، وإنما في كفاءة استخدامها وبيئة الأعمال نفسها، لاستثمار فعال، يحتاج الاقتصاد المغربي إلى:
    •تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد بفعالية أكبر.
    •تحسين البيروقراطية لتسهيل المشاريع وتقليص العقبات الإدارية.
    •توجيه الاستثمارات نحو القطاعات المنتجة والقادرة على خلق فرص شغل ذات قيمة مضافة.
    •تطوير نظام تكوين مهني يتماشى مع احتياجات السوق الحديثة.

وإذا تحقق هذا التحول وفق التقارير وآراء الخبراء، فإن الاستثمار لن يكون مجرد رقم في الميزانية، بل دافعا حقيقيا لـ نمو اقتصادي شامل ومستدام.