اقتصادكم - أسامة الداودي
يظل الفساد محورا أساسيا في النقاش العمومي حول التنمية، لما له من آثار خفية على الاستثمار والمنافسة.
ومع تراجع ترتيب المغرب دوليًا، يتجدد التساؤل حول كلفته الحقيقية وحدود نجاعة الرقمنة والشفافية في معالجته.
وفي هذا الصدد، أبرز بيار سعادة، رئيس منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومنسق ملف مكافحة الفساد في شبكة العدالة في إدارة الموارد، أن الفساد يفرض كلفة اقتصادية خفية وعميقة على الاستثمار والنمو، مشيرًا إلى أن تراجع ترتيب المغرب في مؤشر مدركات الفساد لسنة 2024 يعكس اختلالات بنيوية تؤثر مباشرة في مناخ الأعمال وجاذبية الاقتصاد الوطني.
عزوف الاستثمار.. أخطر كلفة اقتصادية للفساد
وأوضح المتحدث، غفي تصريح لموقع "اقتصادكم"، أن القناة الأكثر ضررا اقتصاديًا، في تقديره، تتمثل في عزوف الاستثمار، سواء المحلي أو الأجنبي، مبرزا أن غياب اليقين بشأن “قواعد اللعبة”، من حيث وضوح القوانين وشفافية المساطر، يدفع المستثمرين إلى التردد في ضخ رؤوس أموالهم، خاصة حين يصبح النجاح الاقتصادي مشروطًا بالرشوة أو الامتيازات أو العلاقات السياسية.
وأضاف رئيس منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشبكة العدالة في إدارة الموارد أن هذه الممارسات لا تؤدي فقط إلى إبطاء وتيرة التنمية الاقتصادية، بل تسهم كذلك في فقدان فرص الشغل وتقويض الثقة في السوق، مؤكدًا أن الفساد يخل بمبدأ المنافسة عبر منح أفضلية غير مشروعة لشركات مرتبطة بالنفوذ، ما يقلص الابتكار ويحد من تحقيق نمو اقتصادي مستدام على المدى الطويل.
تركيز السوق والرشوة.. كلفة خفية تُضعف المنافسة
وشدد منسق ملف مكافحة الفساد في شبكة العدالة في إدارة الموارد على أن قياس الأثر الاقتصادي الحقيقي للفساد يقتضي اعتماد منظومة متكاملة من المؤشرات، في مقدمتها تتبع تدفقات رؤوس الأموال، سواء عبر الاستثمار الأجنبي المباشر أو الاستثمار الخاص المحلي، باعتبارها مؤشرات حساسة لدرجة الثقة في مناخ الأعمال.
وأشار المتحدث عينه إلى أن مستويات تركز السوق تشكل بدورها أداة تحليلية مهمة، إذ تبرز كيف يمكن للفساد أن يقوّض المنافسة ويُرسخ احتكارات غير صحية، مضيفًا أن الاستبيانات المرتبطة بالرشوة وتكاليف الحصول على العقود العمومية تساعد على كشف الأعباء الخفية التي تتحملها المقاولات، والتي لا تظهر في الحسابات الرسمية.
وفي ما يخص دور الرقمنة في محاربة الفساد داخل منظومة الصفقات العمومية، أوضح بيار سعادة أن التفاعلات المباشرة وجهًا لوجه بين المواطنين أو المقاولات والموظفين العموميين غالبًا ما تشكل بيئة خصبة للرشوة، بسبب السلطة التقديرية التي يمتلكها بعض المسؤولين في تلبية الحاجيات أو تعطيلها.
سيادة القانون شرط حاسم لنجاعة الرقمنة في محاربة الفساد
وأضاف أن رقمنة الصفقات العمومية يمكن أن تمثل أداة فعالة لتعزيز الشفافية والحد من هذه الممارسات، غير أن نجاحها يظل رهينا بتوفر شروط مؤسساتية وقانونية مرافقة، محذرا من أن الرقمنة، في غياب هذه الشروط، قد تتحول إلى مجرد تحديث إداري لا يمس جوهر الفساد.
وأكد المتحدث أن سيادة القانون تشكل العنصر الحاسم في تحويل الرقمنة إلى أداة حقيقية لمكافحة الفساد، موضحًا أن أي نظام رقمي، سواء في المغرب أو غيره، يفقد فعاليته إذا لم يُدعم بقضاء مستقل، وآليات افتحاص قوية، ومؤسسات رقابية فاعلة، وإنفاذ صارم للقوانين.
وزاد موضحًا أن تفادي اختزال الرقمنة في بعد بيروقراطي يفرض الاستثمار في تكوين الموظفين العموميين، واعتماد منصات رقمية سهلة الولوج، وإتاحة البيانات المفتوحة، مع تمكين الخبراء والمجتمع المدني والجماعات المحلية من الاطلاع عليها، بما يجعل من الرقمنة أداة رقابة مجتمعية حقيقية على المحسوبية والرشوة.
وختم بيار سعادة تصريحه بالتأكيد بأن محاربة الفساد لا يمكن أن تقوم على الحلول التقنية وحدها، بل تتطلب مقاربة شمولية تدمج الشفافية، والمساءلة، واستقلال القضاء، وتكافؤ الفرص، حتى تتحول الإصلاحات الرقمية والمؤسساتية إلى رافعة فعلية للنمو والاستثمار والثقة الاقتصادية.