الذهب والفضة.. من ملاذ آمن إلى رهانات استراتيجية

ملفات خاصة - 12-01-2026

الذهب والفضة.. من ملاذ آمن إلى رهانات استراتيجية

اقتصادكم-حنان الزيتوني
 

شهدت الأسواق العالمية للمعادن الثمينة منتصف عام 2025 لحظة فارقة عندما تجاوز الذهب عتبة 4 آلاف دولار للأونصة، وهو مستوى اعتبره الكثيرون مجرد حلقة جديدة في تاريخ المعدن الأصفر الطويل، لكن في الواقع، كان هذا الرقم إشارة واضحة إلى إعادة تشكيل دورة نقدية ومالية جديدة على الصعيد العالمي.

 ولم تقتصر المفاجآت على الذهب، فقد شهدت الفضة ارتفاعا استثنائيا تجاوز 140٪ خلال العام الماضي، لتصبح المعدن الأكثر أداء ضمن فئة السلع الأولية، متجاوزة بذلك دورها التقليدي كمعدن تابع للذهب.

تحولات جوهرية في ديناميكيات العرض والطلب

وفي اتصال مع موقع "اقتصادكم"، أوضح إدريس الهزاز، رئيس الفيدرالية المغربية للصائغين، أن “الوصول إلى مستويات قياسية في سعر الأونصة، والتي كانت تتوقع أن تبلغ 4500 دولار بنهاية 2025، تسبب في ضغوط كبيرة على السوق المحلية، انعكست في ارتفاع أسعار الذهب محليا وزيادة صعوبات الإنتاجية لبعض الوحدات الصغرى".

 وأضاف أن هذا الوضع ألقى بظلاله على حركة التجارة، حيث سجلت الأسواق المحلية ركودًا ملحوظا بسبب تخوف الزبائن من شراء الذهب بأسعار مرتفعة، خشية تراجع قيمته لاحقا.

ومن جهته، أكد حسن أوداود، تاجر متخصص في تصنيع وتسويق المجوهرات بالدار البيضاء، في تصريح لموقع "اقتصادكم" أن “السوق المحلية تعيش حالة من الترقب والارتباك، مع توقف البورصة الذي استمر حتى الخامس من يناير، وارتفاع سعر الغرام محليا إلى مستويات قياسية اقتربت من حاجز 1000 درهم، ما يجعل اتخاذ قرارات البيع أو الشراء صعبا للغاية على الحرفيين والتجار".

لم تعد أسعار الذهب وحدها محور الاهتمام، فالمفاجأة الأكبر كانت الفضة، التي تحولت من معدن تابع إلى أصل مستقل يسيطر على جزء مهم من الاستراتيجيات الاستثمارية العالمية، هذا التحول يعكس تغيرا جذريا في بنية الطلب، حيث أصبح نحو 60٪ من الاستهلاك العالمي للفضة ذو طابع صناعي، معتمدا بشكل كبير على القطاعات الحيوية مثل الطاقات المتجددة (الألواح الشمسية)، صناعة السيارات الكهربائية، الإلكترونيات المتقدمة، ومراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وتكمن قوة الفضة في خصائصها الفيزيائية الفريدة، فهي الأعلى توصيلا للكهرباء بين المعادن، مما يجعل استخدامها في القطاعات الصناعية ضروريا وصعب الاستبدال، وهو ما يفسر متانة الطلب عليها مقارنة بتقلبات الذهب التقليدية. 

ومع ارتفاع الأسعار القياسية، يواجه السوق تحديات هيكلية تتمثل في محدودية العرض، إذ ينتج نحو 70٪ من الفضة العالمية كمنتج ثانوي من مناجم النحاس والزنك والرصاص، وليس من مناجم مخصصة لها مباشرة، وهذا الواقع يزيد من صعوبة تلبية الطلب المتسارع ويعزز التقلبات السعرية.

الفضة.. من أداة مالية إلى مورد استراتيجي

وبناء على هذه المعطيات، لم تعد الفضة مجرد ملاذ آمن أو أداة للتحوط في أوقات عدم اليقين، بل تحولت إلى مورد استراتيجي محوري في التحول الطاقي والرقمي العالمي، ويفسر هذا التغير وفق المهنيين انفصال مسار الفضة عن الذهب، إذ بدأت أسعارها تتحدد وفق منطق صناعي طويل الأمد، وليس فقط وفق تقلبات المضاربات المالية.

ويشير الخبراء إلى أن مستقبل الفضة، رغم التفاؤل الحالي، ليس خال من التحديات، فاحتمالات تباطؤ الاقتصاد العالمي أو ظهور بدائل تكنولوجية قد تؤثر على كثافة استخدامها، ما يستدعي من المستثمرين والمتعاملين مراقبة السوق عن كثب، ومع ذلك، تؤكد المؤشرات الراهنة أن الفضة باتت في قلب معادلة استراتيجية جديدة، حيث يلتقي الاستثمار المالي بالرهانات الصناعية والتكنولوجية، ما يجعلها معدنا لا غنى عنه في الاقتصاد العالمي الحديث.

الذهب في المغرب.. قلق محلي وسط تقلبات عالمية

وفي المغرب، ينعكس ارتفاع أسعار الذهب عالميا على السوق المحلية بشكل مباشر، حيث أوضح إدريس الهزاز لموقع "اقتصادكم" أن “الأسواق المحلية تتأثر بشكل كبير بالمضاربات الدولية، ما يزيد صعوبة عمل الحرفيين والتجار في الحفاظ على استقرار النشاط التجاري” ، وأضاف أن ارتفاع الأسعار أدى إلى إغلاق عدد من الوحدات الصغرى، ما تسبب في ركود الحركة التجارية.

ومن جهته، أكد حسن أوداود أن “الأسعار القياسية للغرام، واقترابها من حاجز 1000 درهم، أدت إلى حالة من الحيرة لدى المهنيين في اتخاذ قرارات البيع أو الشراء”.