اقتصادكم - أسامة الداودي
وسط متابعة جماهيرية واسعة لمنافسات كأس أمم إفريقيا الجارية بالمغرب، يثير قرار توسيع البث المجاني في عدد من الدول الأوروبية نقاشا حول القيمة الاقتصادية والإعلامية لحقوق البث، ومدى تأثيره على العائدات والرؤية التسويقية للبطولة والبلد المنظم.
وفي هذا الصدد، أبرز محمد باباخويا، الخبير في الإدارة والاقتصاد الرياضي، أن القرار يندرج ضمن رؤية استراتيجية مركبة، تتجاوز الحسابات المالية الضيقة، وتهدف إلى تعظيم القيمة الشاملة للمسابقة على المستويين التسويقي والرمزي.
وتابع محمد باباخويا، في تصريح لموقع "اقتصادكم"، بأن البث المدفوع يظل، من الناحية الاقتصادية الصرفة، أكثر مردودية على المدى القصير، بالنظر إلى ما يوفره من عائدات مباشرة عبر حقوق البث والاشتراكات، غير أن هذا النموذج يظل محدود الأثر من حيث الوصول الجماهيري، خاصة خارج الأسواق التقليدية لكرة القدم الإفريقية.
بين العائد المالي والانتشار الإعلامي
وأكد الخبير في الإدارة والاقتصاد الرياضي أن البث المجاني يمنح قيمة مضافة مختلفة، تتمثل أساسًا في الانتشار الواسع داخل الفضاء الأوروبي، ولا سيما في البلدان التي تحتضن جاليات إفريقية كبيرة، ما يسمح بتوسيع قاعدة المتابعين وتعزيز الارتباط العاطفي والجماهيري بالمسابقة وبكرة القدم الإفريقية عمومًا.
وذكر أن التنازل الجزئي عن جزء من العائدات المباشرة في نموذج البث المجاني يبدو خيارا مقصودًا، يراهن على تحقيق مكاسب غير مباشرة أكبر، من قبيل تقوية العلامة التجارية لكأس أمم إفريقيا، ورفع منسوب إشعاعها الإعلامي، وبناء جمهور طويل الأمد يضمن استدامة القيمة التسويقية للبطولة في النسخ المقبلة.
واسترسل محمد باباخويا، قائلا إن النموذج الهجين، الذي يجمع بين البث المجاني والبث المدفوع، يظل الحل الأكثر توازنًا، لأنه يسمح بالحفاظ على حد أدنى من المداخيل المالية، مع ضمان انتشار جماهيري واسع، وهو ما ينسجم مع منطق تطوير المنتوج الكروي الإفريقي بدل استنزافه ظرفيًا.
البث المجاني كاستثمار طويل الأمد
كما أورد أن الانتشار الواسع للمشاهدة عبر البث المجاني يمكن اعتباره استثمارا تسويقيًا طويل الأمد لفائدة البلد المنظم، موضحًا أن كل مباراة تُبث مجانا تتحول إلى نافذة عالمية للتعريف بالمغرب كوجهة قادرة على احتضان تظاهرات رياضية كبرى وفق معايير تنظيمية عالية.
وشدد على أن العائد الإعلامي المرتبط بهذا الانتشار لا يظهر بشكل مباشر في الحسابات المالية، لكنه يتجلى في تعزيز الصورة الذهنية للمغرب، وربط اسمه بالاحترافية والبنيات التحتية الحديثة، إلى جانب إبراز غناه الثقافي والحضاري، وهو ما يشكل رأسمالًا غير مادي بالغ الأهمية.
وأوضح الخبير أن قياس هذا “العائد الإعلامي غير المرئي” يقتضي اعتماد مؤشرات نوعية، من بينها تحليل مضمون التغطيات الإعلامية الدولية، ونبرة الخطاب المصاحب للبطولة، وحجم الحضور البصري للمعالم المغربية داخل البث والتقارير، إضافة إلى عدد المواد الصحفية التي تتجاوز الحدث الرياضي نحو الحديث عن السياحة والاستثمار.
العائد الإعلامي والقوة الناعمة
وتطرق المتحدث عينه إلى أن من بين الأدوات العملية لقياس هذا الأثر أيضًا، تتبع حركة الولوج إلى المواقع السياحية والمنصات الرقمية المغربية خلال فترة المنافسة وبعدها، معتبرا أن هذه المعطيات تشكل مؤشرات دقيقة على حجم التفاعل الدولي مع صورة المغرب.
وأضاف أن هذه المؤشرات، وإن كانت يصعب تحويلها مباشرة إلى أرقام مالية، إلا أنها تراكم رصيدا رمزيا واستراتيجيا على المدى المتوسط والبعيد، يسهم في تعزيز الجاذبية السياحية والاستثمارية للمملكة.
ولفت المتحدث ذاته إلى أن هذا الرصيد الرمزي المتراكم يشكل أحد أهم مكاسب التنظيم الرياضي، إذ يسمح للمغرب بتعزيز تموقعه كفاعل موثوق في صناعة الأحداث الكبرى، وتحويل كرة القدم من مجرد منافسة رياضية إلى أداة فعالة ضمن منطق القوة الناعمة والتنمية الاقتصادية.