المغرب والرياضة.. استثمار يضاعف القيمة الاقتصادية والتنموية

كأس أفريقيا "اقتصادكم" بمساندة صوفاك - 03-01-2026

المغرب والرياضة.. استثمار يضاعف القيمة الاقتصادية والتنموية

اقتصادكم – عبد الصمد واحمودو

 

أبان المغرب عن مستوى كبير في تنظيم النسخة الجارية من بطولة كأس الأمم الإفريقية، التي بلغت دور ثمن النهائي، برز بشكل جلي المستوى العالي الذي وصلت إليه المنشآت الرياضية الوطنية، حيث أثبتت قدرتها على استيعاب كميات الأمطار التي شهدتها المملكة خلال الأسابيع الأخيرة، فرغم الأجواء الماطرة التي تجرى فيها المباريات، ظلت أرضيات الملاعب متماسكة وغير متأثرة بالتساقطات، بفضل أنظمة تصريف المياه المتطورة التي تتوفر عليها.

وإلى جانب نجاح المغرب في توفير بنية تحتية رياضية تليق بمستوى هذه التظاهرة القارية، تساهم البطولة في خلق انتعاشة سياحية مهمة، بالنظر إلى الإقبال الكبير للجماهير الوافدة على المملكة لمتابعة مباريات منتخباتها، ما ينعكس إيجابا على مختلف القطاعات المرتبطة بالسياحة والخدمات.

وبعد إنجاح نسخة كأس الأمم الإفريقية الحالية، يظل الرهان الأكبر هو تنظيم نسخة غير مسبوقة من أسمى المنافسات الكروية عالميا، المتمثلة في نهائيات كأس العالم، التي سينظمها المغرب إلى جانب كل من إسبانيا والبرتغال ضمن ملف ثلاثي، وفي هذا الإطار، يسعى المغرب إلى تقديم نسخة استثنائية، على غرار ما حققه في “الكان”، سواء على مستوى الملاعب أو البنيات التحتية المصاحبة، بما يخدم الأبعاد الرياضية والتنموية والاقتصادية.

وفي ظل هذا الزخم التنظيمي للتظاهرات الرياضية الذي عرفته بلادنا، منذ العام الماضي باحتضان الملاعب المغربية، مجموعة من المسابقات القارية والدولية، وكذلك استقبال مباريات المنتخبات الأفريقية التي لا تتوفر على ملاعب بمواصفات الاتحادين الدولي والأفريقي لكرة القدم، خلال تصفيات كأس أمم أفريقيا، وصولا إلى تنظيم كأس العالم 2030. يبقى السؤال المطروح هو: ماهي العائدات الحقيقية للبنيات التحتية الرياضية في إطار المغرب 2025-2023 ؟

منشآت رياضية لخلق الثروة وتعزيز التنافسية 

وإجابة على السؤال أكد زكرياء العطوش مستشار في التدبير الرياضي ووحكامة المنشآت الرياضية، في تصريح خص به موقع "اقتصادكم"، أن المعطيات الاقتصادية الكمية تظهر أن الاستثمارات المرتبطة بالبنيات الرياضية الكبرى تشكل اليوم رافعة حقيقية لخلق الثروة وتعزيز تنافسية الاقتصاد المغربي، وليست مجرد مشاريع ظرفية مرتبطة بتنظيم التظاهرات.

وأوضح العطوش، استنادا إلى نموذج التوازن العام الديناميكي متعدد القطاعات (DSGE–54 قطاعا)، أن المغرب قادر خلال الفترة ما بين 2025 و2037 على توليد فائض ثروة صافية يناهز 478  مليار درهم بأسعار سنة 2025، أي ما يعادل 14 في المائة من الناتج الداخلي الخام المتوقع.

وأضاف أن هذا الفائض يتوزع على أربعة روافد رئيسية، في مقدمتها تسربات المعرفة والابتكار بين القطاعات، التي تمثل 31 في المائة من الأثر الإجمالي، وذلك بفضل منصّات المدن الذكية المحيطة بالمنشآت الرياضية. كما أن الانخفاض المعمّم في كلفة النقل واللوجستيك يساهم بنسبة 26 في المائة، محققاً وفراً سنوياً يقدّر بحوالي 12 مليار درهم. ويعود 21 في المائة من الفائض إلى ارتفاع القيمة العقارية بمحيط المشاريع، التي تسترجع الخزينة جزءاً مهماً منها عبر الضريبة الجديدة على الأراضي المستفيدة من البنية التحتية، في حين تمثل علاوة التنويع السياحي 22 في المائة، حيث يرتفع متوسط الإنفاق السياحي اليومي من 1.650 درهماً سنة 2024 إلى 2.180 درهماً في أفق 2030.

ارتفاع رصيد الأصول الرياضية

وفيما يخص الأصول العمومية، أبرز المستشار في تدبير المنشآت الرياضية، أن رصيد الأصول الرياضية والموصولة بها سيرتفع من 38 مليار درهم حاليا إلى حوالي 148 مليار درهم سنة 2030، مع إنتاجية حدّية تناهز 18,4 في المائة، أي ما يقارب 2,7 مرة إنتاجية الطرق التقليدية. وأرجع ذلك إلى معدل استغلال مرتفع يصل إلى 72 في المائة، مقابل متوسط إفريقي لا يتجاوز 34 في المائة، بفضل البرمجة المندمجة للتظاهرات الكبرى، من بينها كأس أمم إفريقيا 2026، وكأس العالم 2030، وبطولة الأندية 2028، وسباق أفريقيا إيكو 2029، مدعومة بنظام تذاكر ديناميكي يعظّم نسب الإشغال والعائدات.

تمويل يضمن التوازن بين المخاطر والعائدات 

وعلى مستوى التمويل، أشار المصدر ذاته، إلى أن حجم الدين الجديد، البالغ 94 مليار درهم، موزع بين صكوك وكالة بالدرهم، وسندات أوروبية خضراء مع مبادلة العملة، إضافة إلى شراكات عمومية–خاصة وفق نموذج BOT، بما يضمن كلفة تمويل متحكم فيها وتوازنا بين المخاطر والعائدات. كما أوضح أن تفاعل الإيرادات الضريبية الديناميكية مع الدين العمومي يسمح بتحقيق معدل مريح لتغطية خدمة الدين في أفق 2030، مع اعتماد آليات احترازية، من بينها إحداث صندوق خاص للتراث وتمويله بموارد مستدامة، إلى جانب أدوات تحوط مالي لمواجهة سيناريوهات التأجيل.

وأكد المتحدث أن المحاكاة الاحتمالية تُظهر أنه حتى في سيناريو عدم تنظيم كأس العالم، يبقى العائد الاجتماعي لهذه الاستثمارات أعلى من كلفة الفرصة، بفضل استدامة البنيات التحتية المنجزة، مثل تمديد القطار فائق السرعة، ومشاريع النقل الحضري، ومنصات اللوجستيك الرياضي–الإلكتروني.

خلق قيمة اقتصادية وبيئية 

وفي البعد البيئي، شدد زكرياء العطوش، على أن هذه المشاريع تمكن المغرب من تحقيق صافي انبعاثات سالب من ثاني أوكسيد الكربون، مدعوما بالاستثمار في الطاقات المتجددة، ما يخلق قيمة اقتصادية وبيئية في آن واحد. كما ينعكس ذلك إيجاباً على الحسابات الخارجية، من خلال تعزيز فائض الخدمات وتقليص عجز الحساب الجاري، ورفع حضور الدرهم في المعاملات الرياضية الدولية.

وتابع المتحدث ذاته مؤكدا أنه على أن كل درهم يستثمر في البنيات الرياضية يتحول إلى ما يقارب 3,7 دراهم من القيمة المضافة عبر المضاعفات الاقتصادية متعددة القطاعات، مضيفاً أن هذه المشاريع لم تعد تُختزل في بعدها الرياضي، بل أصبحت أدوات سيادية لتعزيز الإنتاجية، وتحفيز الابتكار، وترسيخ موقع المغرب كمنصة إقليمية تربط إفريقيا بأوروبا بنمو مستدام وتشغيل طويل الأمد.