اقتصادكم
رغم الجهود المبذولة في مجال البحث الزراعي وتطوير أصناف جديدة من البذور المقاومة للجفاف من طرف المعهد الوطني للبحث الزراعي (INRA)، إلا أن توفر هذه البذور في السوق ما يزال محدودًا، في مفارقة واضحة، خاصة وأن التجارب الميدانية أثبتت فعاليتها وقدرتها على التأقلم مع الظروف المناخية المحلية.
وتُعد زراعة الحبوب من أهم سلاسل الإنتاج الفلاحي في المغرب، سواء من حيث المساحة المستغلة أو عدد الفلاحين المعنيين بها أو مساهمتها في الناتج الداخلي الخام الفلاحي. إذ تشغل هذه الزراعة حوالي 6,65 ملايين هكتار، أي ما يعادل 71% من المساحة الزراعية المستعملة (SAU)، وتحقق رقم معاملات يفوق 10 مليارات درهم، ما يمثل 20% من رقم معاملات القطاع الفلاحي، وتوفر ما يقارب 30 مليون يوم عمل سنويًا.
لكن خلف هذه الأرقام، تخفي زراعة الحبوب واقعًا آخر، يتمثل في استمرار تبعية المملكة للأسواق الخارجية لتلبية حاجياتها من القمح، حيث تبلغ فاتورة الاستيراد نحو 6 مليارات درهم سنويًا، مما يشكل ضغطًا على احتياطي المملكة من العملة الصعبة. وفي مواجهة هذا التحدي، تم إطلاق عدة برامج، أبرزها "مخطط المغرب الأخضر" و"الجيل الأخضر"، لتحسين إنتاجية القطاع ورفع تنافسيته.
من بين أهم محاور التطوير المعتمدة: إدخال أصناف جديدة من البذور المقاومة للجفاف، استعمال مدخلات حديثة، واعتماد تقنيات فلاحية تتلاءم مع خصوصيات التربة والطقس.
وقد عمل المعهد الوطني للبحث الزراعي، بشراكة مع منظمات وطنية ودولية كمنظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، على تطوير عدة أصناف جديدة بفضل دعم مركز البحوث الزراعية في المناطق الجافة (ICARDA). من بين هذه الأصناف نذكر "جواهر"، وهو نوع من القمح الصلب مستخلص من نوع بري أرمني، وقد أبانت التجارب عن نتائجه الواعدة.
ومع حلول فصل الخريف، انطلقت عملية تحضير التربة في عدد من المناطق استعدادًا لمرحلة الزرع، حيث يحرص الفلاحون في هذه المرحلة على اختيار البذور التي تتلاءم مع ظروفهم المناخية والمحلية. ومع ذلك، يشتكي العديد منهم من صعوبة الحصول على بعض الأصناف، خاصة المقاومة للجفاف.
وأكد عبد المنعم كنوني، مهندس زراعي ومستشار في المجال الفلاحي، حسب جريدة "Finances news hebdo" أن "رغم تطمينات وزارة الفلاحة بوفرة البذور المعتمدة، إلا أن هناك اختلالًا في توزيعها جغرافيًا. فبعض الأصناف متوفرة في مناطق معينة، بينما تنعدم تمامًا في مناطق أخرى، مما يطرح مشكلًا في التوزيع وجب معالجته. بالإضافة إلى ذلك، هناك نقص في إنتاج هذه الأصناف المقاومة، مما يحد من تواجدها في السوق".
وأشار المتحدث ذاته إلى صنف آخر طوره المعهد الوطني للبحث الزراعي، يحمل اسم "ناشيت"، ويُتوقع أن يساهم في إحداث تحول إيجابي في سلاسل إنتاج الحبوب من خلال رفع المردودية واستقرار دخل الفلاحين. غير أن التحدي الأكبر، حسب قوله، "يتمثل في توفر هذه البذور في الأسواق المحلية، حيث لا يزال أغلب الفلاحين المغاربة يعتمدون على بذور تقليدية محلية، غير قادرة على مقاومة الجفاف أو التكيف مع النقص الحاد في التساقطات".