اقتصادكم
أصبح الأمن الغذائي في المغرب اليوم قضية تتجاوز حدود الإنتاج الزراعي الصرف، لتلامس رهانات أعمق ترتبط بندرة المياه، وتغير المناخ، ومرونة سلاسل الإمداد، في سياق عالمي تتزايد فيه الصدمات والضغوط على الموارد والأسواق.
وذلك ما سلطت عليه الضوء، منصة “إس بي آي أونلاين” الإيطالية، مبرزة أن الاستراتيجية الغذائية للمغرب كانت تتمحور تاريخيا حول تحقيق الاكتفاء الذاتي، لكنها أصبحت اليوم في مواجهة ضغوط التغير المناخي وندرة المياه وتقلبات الأسواق العالمية، بما يفرض بناء نظام غذائي مرن ومستدام.
وأكدت المنصة المتخصصة في التحليلات الجيوسياسية أن الأمن الغذائي ظل لفترة طويلة أحد الأعمدة الأساسية لاستراتيجية التنمية والعقد الاجتماعي في المغرب، إذ ربطت الحكومات المتعاقبة هذا المفهوم أساسًا بتحقيق الاكتفاء الذاتي، لا سيما في الحبوب والسكر والزيوت واللحوم والحليب.
مفترق غذائي حاسم
وواصلت “إس بي آي أونلاين” أن هذا النهج كان مفهومًا في سياقه التاريخي، لأن الدولة كانت تسعى إلى ترسيخ السيادة وضمان الاستقرار السياسي والحماية من الصدمات الخارجية، غير أن التحولات المناخية والقيود المالية والضغط الديموغرافي أعادت صياغة معادلة الأمن الغذائي بشكل جذري.
كما ذكر التقرير عينه أن السؤال المطروح اليوم لم يعد يتعلق بإمكانية إنتاج مزيد من الغذاء محليًا، بل بمدى قدرة المغرب على بناء نظام غذائي مرن وشامل ومستدام يضمن وفرة الغذاء، وإمكانية الوصول إليه، وتحمل تكلفته، واستقرار إمداداته في بيئة أكثر تعقيدًا.
وأفاد بأن القطاع الفلاحي لا يزال ركيزة أساسية في الاقتصاد والمجتمع المغربيين، إذ يشغل حوالي ثلث اليد العاملة الوطنية، ويستأثر بأكثر من 70% من فرص العمل في الوسط القروي، بينما يعتمد نحو 61% من السكان مباشرة على الأنشطة الفلاحية كمصدر للعيش.
وسجّل أن مساهمة الفلاحة في الاقتصاد، رغم أهميتها الاجتماعية، تظل شديدة التقلب، إذ تبلغ نحو 10% من الناتج الداخلي الإجمالي، وقد تراجعت القيمة المضافة الفلاحية خلال سنة 2024 بنسبة 4.8% بالقيمة الحقيقية، بفعل تقلب التساقطات المطرية والظروف المناخية غير المواتية.
وأضاف أن المساحة الزراعية المستغلة بالمغرب تبلغ نحو 8.7 ملايين هكتار، منها قرابة 6 ملايين هكتار تعتمد على الزراعة البورية، في وقت تشغل فيه الحبوب وحدها حوالي ثلثي الأراضي المزروعة، رغم أنها من أقل المحاصيل مردودية من حيث القيمة الاقتصادية قياسا إلى المياه المستهلكة.
ندرة المياه تضغط
ولفت إلى أن ندرة المياه أصبحت القيد الأكثر تأثيرًا في مسار الأمن الغذائي بالمغرب، بعدما تراجعت حصة الفرد من الموارد المائية المتجددة من أكثر من 2500 متر مكعب سنويًا في ستينيات القرن الماضي إلى نحو 620 مترا مكعبا اليوم.
وذكر المصدر عينه أن عقودًا من الاستثمارات العمومية، من سياسة السدود إلى مخطط المغرب الأخضر والبرنامج الوطني للاقتصاد في مياه الري، أسهمت في توسيع المساحات المسقية ورفع الإنتاجية في بعض المناطق، لكنها لم تنجح في تحقيق صمود منظومي حقيقي.
وأشار إلى أن هذه السياسات ركزت أساسًا على توسيع العرض وزيادة المساحات المسقية، دون معالجة كافية لتدبير الطلب أو فرض رقابة تنظيمية على استخراج المياه الجوفية أو إرساء حكامة متكاملة للأحواض المائية، ما أدى إلى تسريع الاستنزاف بدل الحفاظ على الموارد.
وأضاف أن تقنيات الاقتصاد في الماء، وخاصة الري بالتنقيط، أفضت أحيانًا إلى نتائج متناقضة، إذ أدت مكاسب الكفاءة في الحقول الفردية إلى زيادة إجمالي استهلاك المياه على مستوى الأحواض، في مثال كلاسيكي لما يعرف بمفارقة جيفونز.
حدود الاكتفاء الذاتي
كما ذكر التقرير عينه أن المغرب، رغم التدخل العمومي المستمر، لم ينجح في تحقيق اكتفاء ذاتي مستقر في المحاصيل الاستراتيجية، إذ تراجعت نسبة الاكتفاء الذاتي من القمح من أكثر من 80% في سبعينيات القرن الماضي إلى نحو 60% حاليًا، مع تقلبات حادة مرتبطة بمستويات التساقطات.
وأفاد بأن إنتاج الحبوب خلال الموسم الفلاحي 2023-2024 انخفض إلى نحو 31 مليون قنطار، مقابل 55 مليون قنطار في الموسم السابق، نتيجة تقلص المساحات المزروعة وتراجع المردودية، بينما استفادت الخضروات والزيتون والحوامض من توفر الري وسجلت نموًا معتدلًا.
وسجّل أن المغرب يظل مندمجًا بقوة في الأسواق الغذائية العالمية، إذ بلغت واردات المنتجات الفلاحية والغابوية نحو 49.15 مليار درهم في 2024، مدفوعة أساسًا باستيراد الحبوب، فيما تجاوزت واردات الحبوب بين يناير ويوليوز 2025 وحدها 5.8 ملايين طن.
وأضاف أن الصادرات الفلاحية والغذائية واصلت بدورها التوسع، لتبلغ 87 مليار درهم سنة 2024، مدفوعة أساسا بالمحاصيل المسقية الموجهة للتصدير، وهو ما يعكس توترا بنيويا في قلب النظام الغذائي المغربي وحدود نموذج الاكتفاء الذاتي في اقتصاد يعاني ندرة المياه.
ولفتت المنصة إلى أن الأمن الغذائي لا يتحدد فقط بالإنتاج والتجارة، بل يتأثر أيضا باللامساواة الاجتماعية، إذ إن أكثر من 70% من الضيعات الفلاحية تقل مساحتها عن خمسة هكتارات، لكنها لا تسيطر إلا على نحو ربع الأراضي الزراعية.