اقتصادكم
في إطار تعزيز النقاش العمومي حول القضايا العلمية، تشكل الندوات الفكرية مساحة لربط المعرفة الأكاديمية بالاهتمام المجتمعي، خاصة عندما يتعلق الأمر بأسئلة كبرى تتجاوز حدود التخصصات العلمية الصرفة.
ويأتي تناول موضوع “نظرة على العالم الحي” خلال ندوة نظمتها جمعية “AnouArts” بشراكة مع المركب الثقافي “أنفا”، الخميس، ليعيد طرح إشكالات أساسية حول التنوع البيولوجي، وآليات التكيف، ومكانة الإنسان ضمن هذا النسق المعقّد، وهي أسئلة حضرت بقوة في مستهل هذه الندوة.
وافتتحت مديرة Express TV، ومسيّرة اللقاء، نجيبة جلال، الندوة بقولها إن "العلوم تضعنا أمام تساؤل جوهري حول قدرتها على تفسير أصول الإنسان"، متسائلة عما إذا كان الإنسان مجرد امتداد لاستمرارية بيولوجية مع باقي الكائنات الحية، أم أن ظهوره أدخل عنصر التفرد الذي يفرض إعادة التفكير في مفهوم الكائن الحي وحدوده.
وذكرت نجيبة جلال أن الأستاذ المحاضر عبد اللطيف مكرم "لا يحضر هذا اللقاء لتقديم أجوبة جاهزة أو حقائق نهائية، بل لدعوة الحضور إلى التفكير، واقتراح منهجية علمية تقوم على الملاحظة والوصف والتحليل، مع الإقرار بأن بعض الأسئلة تظل مفتوحة وقابلة للنقاش دون حسم قطعي".
وتابعت مسيّرة اللقاء أن هذا الطرح يستند إلى مسار علمي وأكاديمي استثنائي، بالنظر إلى تكوين مكرم كباحث في علم الأحياء، وحصوله على دكتوراه ودكتور دولة، فضلا عن كونه صاحب أزيد من 150 منشورًا علميا محكما.
كما أبرزت نجيبة جلال أن مسار عبد اللطيف مكرم لا يقتصر على البحث العلمي فحسب، بل يعكس التزامًا طويل الأمد باستكشاف غنى العالم الحي وتعقيده وتنظيمه، إلى جانب انخراطه البيداغوجي والتكويني في نقل المعرفة وتقريبها من العموم.
واستهل عبد اللطيف مكرم عرضه بالتأكيد بأن العالم الحي يتميز بتنوّع هائل على الأرض، ممتد من كائنات بسيطة إلى كائنات أكثر تعقيدًا، وأن هذا التنوع يقابله مبدأ أساسي يتمثل في التكيّف الدقيق مع الوسط الذي تعيش فيه الأنواع.
مثال الوسط البحري
ولشرح فكرة التكيف، توقف مكرم عند الوسط البحري، موضحًا أنه يبدو متجانسا للوهلة الأولى، لكنه في الواقع موزّع إلى “طبقات” أو مستويات، يرتبط كل منها بكمية الضوء المتاحة وبالسلاسل الغذائية.
"ففي الطبقات القريبة من السطح، حيث يصل ضوء الشمس، تنتشر كائنات مجهرية مثل العوالق النباتية التي تلتقط الطاقة الشمسية وتحولها إلى طاقة كيميائية، ثم تتغذى عليها كائنات أخرى (عوالق حيوانية وأسماك صغيرة)، وصولًا إلى كائنات تعيش في الأعماق" وفق تعبير مكرم.
السردين والسمك المفلطح
وضرب الحاصل على الدكتوراه في علم الأحياء من جامعة ليموج الفرنسية مثالًا بالسردين الذي يتغذى على العوالق، ما يجعله مرتبطا بمناطق قريبة من السطح.
وبيّن مكرم أن شكل السردين الانسيابي يساعده على الحركة وتقليل مقاومة الماء أثناء السباحة، مبرزا أن بعض الخصائص الداخلية لدى الأسماك قد تساعدها على ضبط الطفو والبقاء على أعماق معينة دون استهلاك طاقة كبيرة.
وفي مقابل ذلك، قدم مثال الأسماك المفلطحة التي تعيش قرب القاع، حيث يسمح لها شكلها المسطح ولونها القريب من لون القاع بنوع من “التمويه” الذي يحميها ويمنحها ميزة في الصيد أو تفادي المفترسات، وهو ما يوضح كيف تتشكل الخصائص الخارجية والوظيفية تبعًا لأسلوب العيش.
النباتات أيضا تتكيف
وانتقل المتحدث إلى أمثلة من عالم النبات، مؤكدا أن التكيّف لا يقتصر على الحيوانات، فالنباتات المائية تختلف عن النباتات البرية في طرق الحصول على الماء والأملاح، بينما تطور النباتات في البيئات الجافة استراتيجيات تقلل فقدان الماء، مثل تقليص مساحة الأوراق أو تطوير الجذور للبحث عن الماء في العمق.
وشدد على أن لكل وسط “حلوله” التي تبتكرها الكائنات عبر الزمن، بما يجعل التكيف قاعدة جامعة في فهم الكائن الحي.