اقتصادكم - أسامة الداودي
في خضم الجدل الذي أثارته الانقطاعات الموضعية المسجلة في تزويد بعض محطات الوقود، تزايدت التساؤلات حول مدى متانة سوق المحروقات بالمغرب وقدرته على امتصاص الاضطرابات اللوجستية.
وهو نقاش يعيد إلى الواجهة الخيارات البنيوية المؤطرة للأمن الطاقي الوطني، في سياق يعتمد فيه المغرب بشكل شبه كلي على الاستيراد.
أهمية الاستيراد
وفي هذا الصدد، اعتبر الخبير الاقتصادي محمد جدري أن أي قراءة موضوعية لوضعية سوق الديزل بالمغرب تفرض الانطلاق من معطيات بنيوية أساسية، في مقدمتها الاعتماد شبه الكلي للمملكة على الاستيراد لتلبية حاجياتها من المحروقات، وهو معطى يحدد بشكل مباشر مستوى الهشاشة والمرونة داخل منظومة الأمن الطاقي الوطني.
وأوضح جدري، في تصريح لموقع "اقتصادكم"، أن المغرب، بعد توقف نشاط التكرير الوطني، انتقل من استيراد النفط الخام إلى استيراد المواد المكررة، وعلى رأسها الغازوال والبنزين، وهو ما جعل سلسلة الإمداد أكثر ارتباطا بالخارج، سواء من حيث انتظام التزود، أو الكلفة، أو آجال التسليم، الأمر الذي يرفع من حساسية السوق الداخلية تجاه أي اضطراب لوجستي أو جيوسياسي خارجي.
وأضاف الخبير الاقتصادي أن هذا التحول البنيوي جعل الأمن الطاقي الوطني رهينًا بعاملين رئيسيين لا ثالث لهما، يتمثل أولهما في انتظام الواردات الخارجية، بينما يرتبط الثاني بقدرة المنظومة الوطنية على التخزين.
وفي هذا الإطار، يفرض الإطار القانوني، وفق ابمتحدث عينه، المنظم لقطاع المحروقات على الفاعلين الاحتفاظ بمخزون احتياطي لا يقل عن 60 يوما من الاستهلاك الوطني.
القدرات التخزينية
وأشار إلى أن تقارير رسمية، من بينها معطيات صادرة عن مجلس المنافسة خلال السنوات الأخيرة، أظهرت أن القدرات التخزينية الفعلية تراوحت في فترات معينة بين حوالي 45 و50 يوما، قبل أن تعرف تحسنا تدريجيا لاحقًا، مبرزا أن هذا الفارق لا يعني بالضرورة وجود أزمة، لكنه يظل مؤشرا تقنيًا يجب التعامل معه بجدية في إطار التخطيط الاستباقي.
وشدد محمد جدري على أن التخزين لا يمكن اختزاله في بعد تقني محض، بل يشكل عنصرا حاسمًا في هامش الأمان الطاقي، موضحا أنه وفق المعايير الدولية لا يمكن السماح بانخفاض القدرة التخزينية إلى ما دون ثلاثة أو أربعة أسابيع، لأن أي اضطراب خارجي ظرفي، كإغلاق ميناء أو تأخر شحنة أو توتر لوجستي عالمي، قد ينعكس سريعًا على السوق الوطنية، ولو بشكل محدود أو موضعي.
اختلالات محلية في التوزيع
وفي هذا السياق، دعا الخبير الاقتصادي إلى التعامل بحذر مع أي شكاوى ميدانية أو انقطاعات موضعية يتم تسجيلها في بعض محطات التوزيع، معتبرا أن مثل هذه الحالات لا تعني بالضرورة وجود أزمة وطنية في التموين، إذ قد تكون ناتجة عن اختلالات محلية في التوزيع، أو صعوبات لوجستية ظرفية، أو سوء تقدير للطلب في مناطق معينة.
ولفت جدري إلى أن التصريحات المتضاربة الصادرة أحيانًا عن بعض الفاعلين تساهم في خلق ارتباك غير مبرر لدى الرأي العام، خاصة عندما يتم تداول أرقام تخص المخزون دون توضيح طبيعتها، وما إذا كانت تتعلق بالمخزون التجاري أو الاحتياطي القانوني أو القدرات النظرية للتخزين، مؤكدًا أن الفرق بين 45 و60 يومًا من المخزون لا يُترجم تلقائيًا إلى أزمة تموين.
وخلص المتحدث إلى أن سوق الديزل بالمغرب، في غياب أي إعلان رسمي عن اختلال شامل في التموين، يظل في وضعية عادية من حيث التزود، غير أن هشاشة سلاسل الإمداد المرتبطة بالاستيراد الكامل تفرض تعزيز القدرات التخزينية، وتحسين حكامة القطاع، ورفع مستوى التنسيق بين مختلف المتدخلين، بما يضمن قدرة المنظومة على امتصاص أي اضطرابات محتملة دون تأثير مباشر على المستهلك أو النشاط الاقتصادي.