اقتصادكم - أسامة الداودي
أصبح تسريع مسار التعويض عبر الرقمنة أحد أبرز رهانات شركات التأمين في السنوات الأخيرة، في سياق سعيها إلى تحديث خدماتها وتحسين علاقتها بالزبناء.
لكن، مقابل هذا التطور التقني، تطرح تساؤلات جوهرية حول ما إذا كانت هذه الدينامية الرقمية قد نجحت في تعزيز الشفافية وضمان تعويض عادل، أم أنها لا تزال تركز بالأساس على تقليص الآجال على حساب حماية مصالح المؤمن لهم.
وفي هذا الصدد، يرى الخبير في التأمينات وتدبير المخاطر، خالد لعسيري، أن التحول الرقمي الذي يشهده قطاع التأمين في السنوات الأخيرة أسهم بشكل واضح في تقليص آجال معالجة ملفات التعويض، وسهل قنوات التواصل بين المؤمن له وشركات التأمين، ما أتاح قدراً أكبر من الشفافية في تتبع مسار الملفات ومعرفة مراحل تقدمها، غير أن هذا التطور، في تقديره، لم ينعكس بالقدر نفسه على جودة التعويض أو تحقيق العدالة المنشودة للمؤمن لهم.
وأوضح لعسيري، خلال تصريح لموقع "اقتصادكم"، أن تسريع الإجراءات، رغم أهميته، لا يكفي لضمان حماية حقوق المؤمن له، خاصة في ظل استمرار بعض الإشكالات المرتبطة بتقييم الأضرار أو غموض نطاق التغطية التأمينية، فضلاً عن ضعف اطلاع عدد من الزبناء على حقوقهم والتزاماتهم داخل العقود، وهو ما يجعل الرقمنة في كثير من الأحيان أداة إجرائية أكثر منها وسيلة لترسيخ الإنصاف داخل منظومة التعويض.
وأشار الخبير ذاته إلى أن من بين أبرز التحديات التي تعيق نجاعة هذا التحول الرقمي، غياب توحيد الأنظمة المعلوماتية بين شركات التأمين، حيث تعتمد كل شركة منصة رقمية خاصة بها، ما يفرض على الخبراء التعامل مع برامج متعددة، ويزيد من تعقيد مساطر التتبع ويحد من إمكانية توحيد المعايير المعتمدة في معالجة الملفات وتقييم الأضرار.
وفي السياق نفسه، لفت المتحدث إلى بروز تقنية التقييم عن بعد للأضرار، التي تتيح للخبراء تقدير الخسائر عبر الصور والفيديوهات والمعطيات الرقمية دون الحاجة إلى التنقل الميداني، معتبراً أنها تمثل مكسبا من حيث ربح الوقت وتسريع مسار التعويض، لكنها تطرح في المقابل إشكالات تتعلق بمدى دقة التقدير وضمان تطابق المعطيات الرقمية مع الواقع الفعلي، بما يحول دون حدوث فجوات في التعويض أو شعور بعدم الإنصاف لدى المؤمن لهم.
وأضاف لعسيري أن تعزيز فعالية الرقمنة داخل قطاع التأمين يقتضي مواكبتها بآليات عملية تضمن الشفافية والعدالة، من بينها توحيد نماذج تقييم الأضرار، وتبسيط العقود التأمينية بلغة واضحة ومفهومة، إلى جانب اعتماد أنظمة إشعار تلقائي تنبه المؤمن له في حال وجود اختلاف بين قيمة التعويض المقترحة وحجم الخسارة الحقيقية.
كما شدد على ضرورة توظيف المنصات الرقمية ليس فقط لتسريع المساطر، بل أيضا لتقديم توجيه استباقي للمؤمن له حول حقوقه وواجباته، والإسهام في مراقبة احترام مبدأ الإنصاف في مختلف مراحل التعويض، بما يعزز الثقة بين الأطراف ويكرس حماية فعلية للمؤمن لهم.
وخلص الخبير في التأمينات وتدبير المخاطر إلى أن الرقمنة، بما في ذلك تقنيات التقييم عن بعد، تمثل خطوة مهمة نحو تطوير تجربة الزبون داخل قطاع التأمين، غير أنها لن تحقق أهدافها الكاملة إلا إذا اقترنت بترسيخ مبادئ الشفافية، وضمان العدالة، وتوحيد المعايير الرقمية بين مختلف الفاعلين، حتى يتحول التعويض من مجرد إجراء سريع إلى أداة حقيقية للحماية الاقتصادية.