366 مليار درهم مداخيل جبائية في أفق 2026.. هل تكفي تعبئة الموارد لتحقيق العدالة الضريبية؟

الاقتصاد الوطني - 10-01-2026

366 مليار درهم مداخيل جبائية في أفق 2026.. هل تكفي تعبئة الموارد لتحقيق العدالة الضريبية؟

اقتصادكم


يشهد المغرب خلال السنوات الأخيرة تطورا لافتا في مستوى المداخيل الجبائية، إذ من المرتقب أن تبلغ حوالي 366 مليار درهم في أفق سنة 2026، مقابل 199 مليار درهم فقط سنة 2020، وفق ما أفاد به مصطفى بايتاس، الوزير المكلف بالعلاقات مع البرلمان الناطق الرسمي باسم الحكومة.

وأوضح بايتاس، عقب انعقاد مجلس الحكومة أن هذا الارتفاع الذي ناهز حوالي 160 مليار درهم، مكن الحكومة من إطلاق وتمويل عدد من الأوراش الاجتماعية والاقتصادية الكبرى، في مقدمتها ورش تعميم الحماية الاجتماعية، الذي خصص له ما يفوق 41,5 مليار درهم سنة 2026، إلى جانب الدعم الاجتماعي المباشر (29 مليار درهم)، وتمويل اشتراكات "أمو تضامن" (9,5 مليارات درهم)، والحوار الاجتماعي (أزيد من 47 مليار درهم)، فضلا عن برنامج دعم السكن (10 مليارات درهم).

كما أشار الوزير، إلى أن الاستثمار العمومي ارتفع بدوره من 230 مليار درهم سنة 2021 إلى 380 مليار درهم سنة 2026، مع رصد اعتمادات مهمة لدعم القدرة الشرائية للمواطنين، بلغت حوالي 107 مليارات درهم بين 2022 و2025، خاصة عبر دعم المواد الأساسية، إلى جانب تعزيز ميزانيتي الصحة والتعليم التي ستصل إلى 140 مليار درهم سنة 2026.

واعتبر بايتاس، أن هذه الإصلاحات مكنت من تحقيق توصيات المناظرة الوطنية للجبايات وفسحت المجال لترسيخ العدالة الضريبية.

غير أن الخبير الاقتصادي يوسف كراوي الفيلالي، يقدم قراءة أكثر نقدية لهذا التطور، معتبرا أن الارتفاع القوي في المداخيل الجبائية رغم أهميته لا يعكس بالضرورة تحقق العدالة الضريبية بقدر ما يعكس تشديد التحصيل الضريبي وتعزيز مجهودات الإدارة الجبائية في تعبئة الموارد.

ويشير كراوي الفيلالي، في تصريح لموقع "اقتصادكم"، إلى أن المداخيل الجبائية انتقلت من حوالي 199 مليار درهم سنة 2020 إلى ما يقارب 366 مليار درهم في أفق 2026، مع توقع زيادة تناهز 60 مليار درهم خلال سنة 2026 وحدها، مبرزا أن هذا التطور مرتبط أساسا بتمويل الأوراش الاجتماعية الكبرى وعلى رأسها تعميم الحماية الاجتماعية، التي يتم تمويلها اليوم بشكل كبير من هذا الارتفاع في الموارد الضريبية.

وفي ما يخص المجهود الاستثماري العمومي يقر الخبير، بارتفاعه من حوالي 230 مليار درهم إلى ما بين 300 و380 مليار درهم، غير أنه يسجل مفارقة واضحة تتمثل في أن الجزء الأكبر من هذه الاستثمارات يظل موجها نحو البنية التحتية الطرقية والرياضية والترفيهية، مقابل ضعف نسبي للاستثمار في البنية التحتية الصناعية القادرة على إحداث مناصب شغل مستدامة، وهو ما يفسر حسبه "عدم توازي حجم الاستثمارات العمومية مع وتيرة إحداث فرص الشغل، التي تعرف تباطؤا رغم تصاعد الإنفاق الاستثماري".

وعلى صعيد العدالة الضريبية، يعبر كراوي الفيلالي، عن عدم اتفاقه مع الطرح الحكومي معتبرا أن تحقيق عدالة فعلية يمر أولا عبر مراجعة نسب الضريبة على القيمة المضافة، سيما بالنسبة لبعض المنتجات الأساسية التي تخضع حاليا لنسبة 20%، رغم أنها تستوجب نسبة مخفضة في حدود 6% بما يخفف الضغط على القدرة الشرائية.

كما ينتقد الخبير، توحيد نسبة الضريبة على الشركات عند 20% بالنسبة للمقاولات الصغيرة والصغيرة جدا، بنفس النسبة المطبقة على شركات كبرى ومتوسطة تحقق أرباحا سنوية مرتفعة، معتبرا أن هذا الأمر يتنافى مع مبدأ العدالة الجبائية.

وتمتد الملاحظة نفسها إلى الضريبة على الدخل، حيث يرى كراوي الفيلالي، أنه من غير المعقول إخضاع شخص يتقاضى 20 ألف درهم لنسب قريبة أو مماثلة لتلك المفروضة على من يتقاضى 70 ألف أو 200 ألف درهم شهريا، مؤكدا أن العدالة الضريبية لم تتجسد بعد في الضرائب الثلاث الأساسية الضريبة على الدخل، والضريبة على الشركات، والضريبة على القيمة المضافة.

بين منطق الحكومة القائم على تعبئة الموارد لتمويل الأوراش الاجتماعية الكبرى، ورؤية الخبراء التي تدعو إلى تعميق إصلاح العدالة الجبائية وتوجيه الاستثمار نحو إحداث الثروة ومناصب الشغل، يظل النقاش مفتوحا حول مدى استدامة هذا النمو في المداخيل الضريبية وقدرته على تحقيق توازن حقيقي بين النجاعة الاقتصادية والإنصاف الاجتماعي.