اقتصادكم-حنان الزيتوني
في ظل سياق اقتصادي يتسم بتقاطع الإكراهات الخارجية مع فرص داخلية واعدة، يبرز قانون المالية لسنة 2026 كاختبار حقيقي لقدرة الاقتصاد الوطني على تحقيق نمو مستدام، أقل ارتباطا بالتقلبات المناخية وأكثر اعتمادا على تنوع محركاته الإنتاجية، فهل تملك المملكة اليوم المقومات الكفيلة برفع وتيرة النمو وتحسين مؤشرات الشغل والتجارة الخارجية؟.
فرضيات النمو
وتعليقا على الموضوع، يرى الخبير الاقتصادي محمد جدري أن مشروع قانون المالية لسنة 2026 بني على فرضية تحقيق معدل نمو في حدود 4,6 في المائة، وذلك على أساس تسجيل موسم فلاحي متوسط، غير أن المعطيات المتوفرة، بحسب تقديره، توحي بإمكانية تجاوز هذا السقف في حال استمر تحسن عدد من المؤشرات الظرفية.
وفي اتصال مع موقع "اقتصادكم"، قال جدري إن الاقتصاد المغربي أبان خلال السنوات الأخيرة عن قدرة متزايدة على تحقيق نسب نمو قريبة من 4 في المائة، حتى في غياب أداء فلاحي قوي، مستندا في ذلك إلى توسع وتنوع القاعدة الإنتاجية الوطنية.
تنوع اقتصادي يقلص هشاشة النمو
وأوضح الخبير الاقتصادي أن قطاعات صناعية وخدماتية أصبحت تشكل رافعة حقيقية للنمو، من بينها صناعة السيارات والطيران، والنسيج والجلد، إلى جانب الصناعات الميكانيكية والاستخراجية، فضلا عن الدينامية التي تعرفها السياحة والصناعة التقليدية والصناعات الغذائية، إضافة إلى التحويلات المالية لمغاربة العالم.
هذا التنوع، بحسب جدري، مكن الاقتصاد الوطني من تقليص تبعيته المطلقة للفلاحة، وجعل الأداء الاقتصادي أكثر توازنا أمام الصدمات المناخية.
موسم فلاحي واعد يتجاوز الفرضيات
وسجل محمد جدري أن المؤشرات الحالية تعزز سيناريو موسم فلاحي أفضل من المتوسط، في وقت يعتمد فيه قانون المالية فرضية إنتاج حبوب في حدود 70 مليون قنطار، واعتبر أن هذه التقديرات تبقى محافظة، مرجحا أن تتجاوز النتائج الفعلية هذا الرقم.
وأضاف أن سنة 2026 مرشحة لأن تكون من بين أفضل السنوات الفلاحية، بل وقد تتفوق على سنة 2021 التي تعد مرجعا من حيث الأداء الزراعي.
الفلاحة كمحفز إضافي للنمو
وأشار المتحدث إلى أن القيمة المضافة الفلاحية، في حال تحققت هذه التوقعات، يمكن أن تساهم بما لا يقل عن نقطة مئوية واحدة في معدل النمو العام، ما يفتح الباب أمام إمكانية بلوغ نسبة نمو تناهز 5 في المائة.
وربط جدري تحقيق هذه الأهداف بجملة من الشروط الأساسية، في مقدمتها تحسن الطلب الداخلي، الذي بدأ يستعيد عافيته تدريجيا مع تراجع الضغوط التضخمية، كما لفت إلى الارتفاع القياسي في حجم الاستثمار العمومي، المنتظر أن يبلغ حوالي 380 مليار درهم، ما يشكل دعامة قوية للنشاط الاقتصادي.
كما اعتبر أن عودة الطلب الخارجي، خصوصا من الشريك الأوروبي، تشكل عاملا داعما إضافيا، إلى جانب استقرار أسعار النفط في نطاق يتراوح بين 60 و70 دولارا للبرميل، وتراجع أسعار عدد من المواد الأولية إلى مستوياتها الطبيعية، وهو ما من شأنه تحفيز خلق الثروة وفرص الشغل.
الشغل والبطالة
وتوقع الخبير الاقتصادي أن يشهد القطاع الفلاحي خلال سنة 2026 انتعاشا ملموسا في إحداث فرص العمل، بعد سنوات من فقدان مئات الآلاف من مناصب الشغل بسبب توالي فترات الجفاف وارتفاع كلفة الأعلاف والأسمدة والبذور.
ويرجح جدري أن ينعكس هذا التحسن إيجابا على سوق الشغل، من خلال خفض معدل البطالة من حوالي 13 في المائة حاليا إلى ما بين 11,5 في المائة و12 في المائة مع نهاية سنة 2026.
الميزان التجاري
وأكد الخبير الاقتصادي تحليله بالتأكيد على أن تحسن الموسم الفلاحي المرتقب سيساهم في تخفيف الضغط على الميزان التجاري، عبر تقليص واردات الحبوب والبذور والشعير والذرة، مقابل تعزيز الصادرات الفلاحية، خاصة الخضر والفواكه، نحو الاتحاد الأوروبي وعدد من الأسواق الدولية.