اقتصادكم - أسامة الداودي
مع حلول شهر رمضان، تتجدد الضغوط على الميزانيات الأسرية بالمغرب، في ظل ارتفاع النفقات الاستهلاكية مقابل مداخيل شبه مستقرة، ما يفتح نقاشا أوسع حول هشاشة التوازن المالي للأسر وحدود قدرتها على تدبير الالتزامات الدورية والطارئة.
ارتفاع تكاليف المعيشة
وفي سياق يتسم بارتفاع تكاليف المعيشة واستمرار الضغوط التضخمية، يطفو إلى السطح سؤال الاستدامة المالية للأسر المغربية، خاصة مع تنامي اللجوء إلى القروض الاستهلاكية وضعف آليات الادخار، وهو ما يثير مخاوف بشأن عمق الاختلالات البنيوية.
وفي هذا الصدد، يرى محمد طلال لحلو، الأستاذ الباحث والمستشار في الاقتصاد الإسلامي، أن ارتفاع النفقات الاستهلاكية خلال شهر رمضان، مقابل دخل شهري شبه ثابت لدى غالبية الأسر المغربية، يؤدي إلى اختلال واضح في التوازن المالي الأسري.
وواصل أن هذا الضغط الموسمي ينعكس مباشرة على الميزانيات المخصصة لمجالات أساسية أخرى، من بينها الصحة والتعليم، خاصة أن نفقات التطبيب تظل غير مبرمجة بخلاف مصاريف التمدرس.
هشاشة بنيوية
وتابع لحلو، في تصريح لموقع "اقتصادكم"، أن هذا الارتفاع في النفقات، الذي قد يصل إلى ما بين الثلث والنصف مقارنة بالأشهر العادية، لا يمكن اعتباره مجرد اختلال ظرفي مرتبط بشهر رمضان فقط، بل يعكس في العمق هشاشة بنيوية متراكمة في القدرة المالية للأسر، وهو ما تؤكده معطيات حديثة تشير إلى أن حوالي 77 في المائة من الأسر المغربية سجلت تدهورًا في مستوى المعيشة خلال سنة 2025.
كما أكد المستشار في الاقتصاد الإسلامي أن لجوء عدد متزايد من الأسر إلى القروض الاستهلاكية الصغيرة أو إلى السحب المسبق من الأجور لتغطية مصاريف رمضان يعد مؤشرا مقلقًا على تراجع حقيقي في القدرة الشرائية، كما تعكسه الأرقام الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة واستمرار الضغوط التضخمية.
ضعف الثقافة المالية
وأبرز الحلو أن هذا السلوك لا يمكن فصله أيضًا عن ضعف الثقافة المالية لدى شريحة من الأسر، إلى جانب نزعة استهلاكية مفرطة، موضحًا أن الأسر التي تعتمد تخطيطا ماليا مسبقا تكون أكثر قدرة على تدبير المصاريف المرتبطة بالمناسبات الدورية، مثل الأعياد وشهر رمضان، باعتبارها معروفة سلفًا، على عكس النفقات الطارئة كالعلاج.
واسترسل قائلا إن العيش بمستوى إنفاق يفوق القدرات المالية الحقيقية أصبح ظاهرة آخذة في الانتشار، وهو ما يفسره تخصيص ما يقارب 35 في المائة من دخل عدد من الأسر لسداد الديون، الأمر الذي يفاقم هشاشتها المالية ويحد من قدرتها على الادخار أو مواجهة الصدمات الاقتصادية غير المتوقعة.
وأشار المتحدث عينه إلى أن النقاش الدائر حول آليات الحماية الاجتماعية غالبًا ما يختزل في البرامج والمؤسسات الحكومية، في حين أن الحماية الحقيقية، من وجهة نظره، "تقتضي بالأساس تقليص النفقات العمومية غير الضرورية، بما يسمح بتخفيف الضغط الضريبي على الأسر، وتعزيز قدرتها الشرائية والاستثمارية، وبالتالي تمكينها من تنمية مدخراتها".
وأضاف لحلو أن من بين الركائز المغيبة في منظومة الحماية الاجتماعية، توسيع وتفعيل ثقافة الزكاة والصدقات والأوقاف، التي تُعد أدوات تكافلية وتعاضدية محورية في الاقتصاد الإسلامي، مبرزًا أن هذه الآليات تعاني اليوم من شلل واضح، وتم إقصاؤها عمليًا من دورها الاجتماعي والاقتصادي، حتى خارج المجال الديني.
وفيما يخص هذا الجانب، شدد المستشار في الاقتصاد الإسلامي على أن توسع الثقافة الضريبية وهيمنتها على السياسات العمومية ساهم في تهميش الأدوار التضامنية للزكاة والأوقاف، رغم قدرتها على تخفيف الضغط الاجتماعي، ودعم الفئات الهشة، والمساهمة في تحقيق توازن مالي أكثر استدامة داخل المجتمع، خاصة خلال الفترات الموسمية التي تشهد ارتفاعًا حادًا في النفقات.