كيف يمكن للتمويل التعاوني أن يعزز صمود المقاولات الصغرى والمتوسطة؟

الاقتصاد الوطني - 17-01-2026

كيف يمكن للتمويل التعاوني أن يعزز صمود المقاولات الصغرى والمتوسطة؟

اقتصادكم - أسامة الداودي

 

في ظل تشديد شروط الولوج إلى التمويل البنكي وارتفاع كلفة الائتمان، يبرز التمويل التعاوني كأحد البدائل التمويلية الصاعدة بالمغرب، خاصة لفائدة المقاولات الصغرى والمتوسطة التي تواجه صعوبات في تعبئة الموارد اللازمة لتطوير مشاريعها.

ومع سعي الاقتصاد الوطني إلى تنويع آليات التمويل وتعزيز الإدماج المالي، يطرح التمويل التعاوني نفسه كنمط حديث يجمع بين الابتكار والرقمنة، ويعيد توجيه المدخرات نحو مشاريع ذات أثر اقتصادي واجتماعي ملموس.

وفي هذا الصدد، اعتبر عادل بنزاكور، رائد الأعمال والمستثمر والخبير في التمويل البنكي وتمويل البورصة والتمويل التعاوني، أنه بات يشكل رافعة بديلة وتكميلية ذات أهمية متزايدة لتمويل المقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة بالمغرب، خاصة تلك التي تتوفر على مشاريع قابلة للحياة لكنها تفتقر إلى الضمانات أو التاريخ المالي المطلوب وفق المعايير البنكية التقليدية.


التمويل التعاوني آلية مكملة وليست بديلاً للبنوك

وأوضح الخبير في التمويل البنكي وتمويل البورصة والتمويل التعاوني، في تصريح لموقع "اقتصادكم"، أن هذا النمط من التمويل لا يهدف إلى تعويض البنك أو الحلول محله، بل يتدخل في مراحل تسبق التمويل البنكي أو يواكبه كآلية مساندة لتمويل احتياجات محددة، من قبيل إطلاق منتج جديد، أو اقتناء تجهيزات، أو تغطية حاجيات ظرفية من رأس المال العامل، أو تمويل مشاريع ذات أثر اقتصادي أو اجتماعي.

وأضاف المتحدث أن تنويع مصادر التمويل عبر اللجوء إلى التمويل التعاوني يعزز متانة المقاولة المالية، ويقلص درجة هشاشتها أمام تقلبات السوق، كما يمنحها قدرة أكبر على الصمود والاستمرارية، مشددًا على أن تعدد قنوات التمويل أصبح اليوم عنصرًا أساسيًا في بناء نماذج اقتصادية مرنة وقابلة للتطور.

وفي هذا الصدد، ذكر الشريك المؤسس لشركة SFC AKKAN المتخصصة في التمويل التعاوني، أن الإطار القانوني المغربي، كما حدده القانون 15-18 المتعلق بالتمويل التعاوني، يمنح هذا النمط من التمويل بعدًا إضافيا من المصداقية، لكونه يخضع لإشراف مؤسساتي صارم من طرف بنك المغرب والهيئة المغربية لسوق الرساميل، بما يضمن حماية حاملي المشاريع والمساهمين في آن واحد.

وأشار بنزاكور إلى أن التمويل التعاوني يحدث، على مستوى الاستدامة، أثرا إيجابيا يتجاوز البعد المالي، إذ يقوي العلاقة بين المقاولة ومجتمع داعميها، ويعزز الانضباط المالي لدى حاملي المشاريع، كما يمكن أن يشكل اختبارا عمليا للطلب في السوق قبل الانتقال لاحقًا إلى تمويل بنكي أو ولوج سوق الرساميل.


ضعف ثقافة الاستثمار يبطئ انتشار التمويل التعاوني

وفيما يتعلق بوتيرة انطلاق التمويل التعاوني بالمغرب، أكد رائد الأعمال والمستثمر أن الإطار التشريعي لا يشكل عائقا، بل يعد من بين نقاط القوة الأساسية للمنظومة، معتبرا أن الانطلاقة المتدرجة لهذا القطاع تعود بالأساس إلى تداخل مجموعة من العوامل البنيوية والثقافية والتنظيمية.

وأوضح الخبير في التمويل التعاوني أن ثقافة الاستثمار لا تزال في طور التشكل لدى شريحة واسعة من الأفراد، الذين اعتادوا تاريخيا على أنماط ادخار تقليدية أو استثمارات عقارية، وهو ما يستدعي وقتا كافيا لبناء الوعي المالي والانخراط في آليات تمويل تقوم على المشاركة والمخاطر المحسوبة.

وتطرق المتحدث عينه إلى التحديات المرتبطة بالمقاولات نفسها، مبرزا أن العديد من حاملي المشاريع يكتشفون نمط تمويل جديدا يقوم على مستويات أعلى من الشفافية والإفصاح والحكامة، وهو ما يتطلب فترة تملك معرفي وتكيّف مع متطلبات جديدة تختلف عن التمويل البنكي الكلاسيكي.


الثقة رهان محوري في تطور التمويل التعاوني

وفي هذا السياق، شدد بنزاكور على أن مسألة الثقة تظل محورية، لكنها تعرف تحسنا تدريجيا مع بروز منصات مرخصة تشتغل وفق ضوابط تنظيمية دقيقة، وتعتمد مساطر صارمة لانتقاء المشاريع، وتوفير المعلومات، وتتبع تنفيذها، بما يساهم في ترسيخ المصداقية داخل المنظومة.

وزاد موضحًا أن تسريع تحقيق الأثر الاقتصادي الحقيقي للتمويل التعاوني يمر عبر جملة من الروافع، في مقدمتها تعزيز التربية المالية لفائدة العموم ورواد الأعمال، مبرزًا الدور الحاسم الذي يمكن أن يضطلع به الإعلام، خاصة المتخصص في الشأن الاقتصادي، في نشر الوعي وتبسيط آليات هذا النمط من التمويل.

كما أورد أن الإشراك التدريجي للفاعلين المؤسساتيين، من قبيل الأبناك وشركات التأمين والصناديق الاستثمارية، يعد عنصرا أساسيا لتطوير المنظومة، من خلال تشجيع حاملي المشاريع على المرور أولًا عبر منصات التمويل التعاوني كآلية اختبار واسعة النطاق قبل الولوج إلى التمويل المؤسساتي.


إبراز قصص النجاح لتعزيز الثقة والأثر

وفيما يخص تعزيز الثقة والأثر، أكد المتحدث أهمية إبراز المشاريع الناجحة التي أحدثت فرص شغل وخلقت قيمة محلية ملموسة، بما يمكن المستثمرين وحاملي المشاريع من قياس النتائج بوضوح، ويحول التمويل التعاوني من آلية ناشئة إلى أداة تمويل ذات أثر اقتصادي ملموس.

وأكد بنزاكور أن مواءمة منتجات التمويل التعاوني مع الحاجيات الفعلية للنسيج الاقتصادي المغربي، خاصة المقاولات الصغرى والمتوسطة والمشاريع ذات الأثر، تظل شرطا حاسما، داعيا مهنيي القطاع إلى الابتكار في تصميم منتجات مالية تستجيب لخصوصيات الاقتصاد الوطني وتسرع اندماج التمويل التعاوني ضمن المنظومة التمويلية الشاملة.