اقتصادكم - أسامة الداودي
لم يعد الاستثمار العقاري في المغرب رهينا فقط بجودة الموقع أو قوة الطلب، بل أصبح مرتبطا بشكل متزايد بقدرة الفاعلين على تدبير الأصول باحترافية، في سياق يتسم بارتفاع المخاطر وتغير منطق العائد.
وهو ما يفتح نقاشا أوسع حول موقع التدبير المهني للأصول العقارية في مواجهة الدورات الاقتصادية، ودوره في الحفاظ على المردودية وضمان استدامة الاستثمار في بيئة تتسم بتزايد عدم اليقين.
وفي هذا الصدد، أبرز الخبير في العقار وتدبير الملكيات العقارية، رفيق عبدوس، أن تدبير الأصول العقارية لم يعد خيارا تقنيا ثانويًا، بل أضحى رافعة استراتيجية أساسية للحفاظ على قيمة الممتلكات العقارية وضمان استدامة مردوديتها، خاصة في سياق اقتصادي يتسم بتباطؤ نسبي لبعض القطاعات مقابل استمرار دينامية قطاعات أخرى.
وأوضح الخبير العقاري، في تصريح لموقع "اقتصادكم"، أن المغرب يشهد في المرحلة الراهنة تحولات عميقة في عدد من القطاعات الاقتصادية الأساسية، مرفوقة بورش واسع لتحديث البنيات التحتية، مشيرًا إلى أن القطاع العقاري يظل جزءا لا يتجزأ من هذه الدينامية، إذ ترتبط استدامة أي محفظة عقارية ارتباطا وثيقا بجودة التدبير واحترافيته.
إشكاليات التدبير العقاري
وأضاف عبدوس أن تنوع النسيج الاقتصادي الوطني يفرض اعتماد مقاربات تدبيرية موحدة على مستوى المبادئ والأسس، لكنها تختلف جذريا على مستوى التنفيذ والتشغيل، موضحا أن تدبير مصحة صحية لا يمكن أن يخضع للمنطق نفسه المعتمد في تدبير إقامة سكنية أو مركز تجاري، ما يستدعي تكييف الاستراتيجيات بحسب طبيعة كل أصل عقاري.
وتابع الخبير في العقار وتدبير الملكيات العقارية أن التدبير الحديث للأصول يجب أن يقوم على مقاربة شمولية تعتمد حلولا متخصصة لمعالجة مواطن الخلل في المردودية، سواء عبر آليات مالية تروم ترشيد النفقات وتحسين التكاليف، أو عبر أدوات قانونية تضمن عقودا ملائمة لوضعية الأصل، أو من خلال استراتيجيات تسويقية فعالة، خصوصًا في العقار الموجه للأعمال والخدمات (B2B).
وأورد المتحدث عينه أن الإطار التنظيمي المؤطر للقطاع العقاري بالمغرب بات في حاجة ملحة إلى مراجعة عميقة، مستدلا بمعطيات رسمية تفيد بأن نسبة الشغور في العقار السكني ببعض المدن الكبرى، وعلى رأسها الدار البيضاء، تجاوزت 25 في المائة خلال سنة 2024، وفق أرقام المندوبية السامية للتخطيط.
شغور عقاري نتيجة خوف المستثمر وسوء التقدير
وذكر رفيق عبدوس أن هذا المستوى المرتفع من الشغور يعكس تخوفا متزايدًا لدى الملاك من كراء ممتلكاتهم، نتيجة تعقيد المساطر الإدارية والضريبية، وصعوبة تدبير حالات عدم الأداء، فضلا عن ضعف الوعي المجتمعي بالحقوق والواجبات المرتبطة باستعمال العقار، وهو ما يؤدي، على المديين المتوسط والبعيد، إلى تدهور قيمة الأصول العقارية.
وفيما يخص منطق العائد والمخاطر في الاستثمار العقاري، أكد الخبير أن الذهنية السائدة في السوق المغربية لا تزال تميل إلى تغليب البحث عن المردودية السريعة على حساب التقييم الدقيق للمخاطر، مشيرًا إلى أن هذا السلوك لا يقتصر على المستثمرين الأفراد، بل يشمل أيضا بعض المهنيين والمنعشين العقاريين.
وأبرز عبدوس أن عددا كبيرًا من المشاريع العقارية، سواء السكنية أو التجارية أو المهنية، يتم إطلاقها دون إنجاز دراسات جدوى حقيقية أو إعداد مخططات أعمال دقيقة، بل أحيانا دون أي تحليل أولي لطبيعة السوق أو خصائص النشاط، وهو ما يفسر فشل العديد من هذه المشاريع قبل إتمام سنتها الأولى من الاستغلال.
وأضاف أن بعض المستثمرين ينجذبون فقط إلى هامش الربح الظاهر، متجاهلين البعد البشري والتقني للمشروع، سواء تعلق الأمر بالكفاءات المكلفة بالتسيير، أو بالشركات المسؤولة عن الصيانة، أو بالمخاطر التقنية التي قد تنعكس بشكل مباشر على مردودية الاستثمار واستمراريته.
أزمة "السنديك" والتدبير العقاري
وشدد الخبير على أن التدبير المهني للأصول العقارية من طرف مختصين يجب أن يتحول إلى قاعدة ثابتة في الذهنية الاستثمارية بالمغرب، وليس مجرد خيار ظرفي، معتبرًا أن غياب هذا الوعي يشكل أحد الأسباب الرئيسية لتآكل القيمة العقارية رغم جودة الإنجاز الأولي.
وفي السياق ذاته، ذكر عبدوس بمثال المشاريع السكنية الراقية التي يتم تسويقها بمواصفات وتجهيزات عالية الجودة، قبل أن تشهد تدهورا سريعًا بعد فترة قصيرة من الاستغلال، نتيجة ضعف المهنية لدى بعض مسيري الملكيات المشتركة، أو بسبب تركيز بعض الملاك المشتركين على خفض التكاليف دون إدراك انعكاس ذلك على قيمة ممتلكاتهم على المدى الطويل.
وزاد موضحا أن مسؤولية هذا الوضع لا تقع فقط على عاتق الملاك أو المسيرين، بل تشمل أيضًا الدولة، في ظل الخصاص المسجل في التكوين المتخصص في مهن التدبير العقاري، وغياب تأطير تنظيمي صارم وواضح لمهنة السنديك، ما يجعل القطاع عرضة لاختلالات بنيوية تؤثر سلبًا على جاذبية الاستثمار العقاري واستدامته.
وأكد الخبير في العقار وتدبير الملكيات العقاريةأن "الانتقال نحو نموذج عقاري مستدام بالمغرب يمر حتما عبر ترسيخ ثقافة التدبير المهني، وتحديث الإطار التنظيمي، وتعزيز الوعي بقيمة الأصل العقاري باعتباره استثمارًا طويل الأمد، لا مجرد وعاء لتحقيق أرباح سريعة" على حد تعبيره.