اقتصادكم-أسامة الداودي
مع حلول سنة 2026، تتجه العلاقة بين المغرب والاتحاد الأوروبي نحو تحولات عميقة، خاصة في ملف الهجرة، الذي لم يعد مجرد قضية تقنية، بل أصبح ورقة دبلوماسية مركزية في معادلات الشراكة والتموقع الاستراتيجي.
ويبرز المغرب كفاعل محوري في ملفات الهجرة، والأمن، والاستقرار الإقليمي، ما يطرح تساؤلات حول حدود أدواره الجديدة داخل الفضاء الأوروبي والمغاربي خلال المرحلة المقبلة.
وفي هذا الصدد، اعتبرت أستاذة العلاقات الدولية والتواصل السياسي بكلية العلوم القانونية والسياسية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، أمال بنبراهيم، أن أفق سنة 2026 سيشهد انتقال ملف الهجرة في العلاقة بين المغرب والاتحاد الأوروبي من منطق التدبير الظرفي إلى منطق بنيوي ومؤسسي أكثر تعقيدًا، في ظل دخول “ميثاق الهجرة واللجوء” الأوروبي حيز التطبيق العملي، وما يفرضه ذلك من إعادة صياغة أدوار دول الجوار، وعلى رأسها المغرب.
وأفادت أمال بنبراهيم، في تصريح لموقع "اقتصادكم"، بأن هذا التحول يجعل من المغرب شريكًا تنفيذيا شبه مباشر في سياسات الاتحاد الأوروبي المتعلقة بضبط الحدود، والفرز، وإجراءات الإرجاع، وهو ما يرفع من قيمته الاستراتيجية داخل المنظومة الأوروبية، لكنه في المقابل يفرض عليه كلفة سياسية ومؤسساتية متزايدة، تستدعي تدبيرًا دقيقًا للتوازنات.
وذكرت أن معادلة “الهجرة مقابل الشراكة والتمويل والتعاون الأمني” مرشحة لأن تنتقل، ابتداءً من 2026، من الدعم العام إلى التمويل المشروط بالنتائج، حيث سيُربط الدعم الأوروبي بمؤشرات أداء دقيقة، من قبيل الحد من الهجرة غير النظامية وتيسير مساطر العودة، وهو ما يعزز الموارد المتاحة للمغرب، لكنه يقلص هامش المناورة السياسية.
وأبرزت بنبراهيم أن هذا المسار يمنح الرباط فرصة لتقوية قدراتها الأمنية والمؤسساتية، غير أنه يجعل ملف الهجرة أكثر التصاقا بالضغوط السياسية الداخلية داخل أوروبا، ما يفرض على المغرب تفادي اختزال علاقته مع الشركاء الأوروبيين في دور “حارس الحدود”.
واسترسلت قائلة إن المغرب يسعى، في المقابل، إلى إدماج ملف الهجرة ضمن شراكات أوسع تشمل الطاقة، والاستثمار، والأمن الإقليمي، بما يحول هذا الملف من عبء تفاوضي محتمل إلى ورقة متعددة الأبعاد، تُمكن من توسيع مجال الشراكة وعدم حصرها في المقاربة الأمنية فقط.
كما أوردت أن مكاسب المغرب في هذا المسار تكمن في تثبيت موقعه كفاعل إقليمي استراتيجي، وفي توظيف التمويلات الأوروبية لبناء قدرات مؤسساتية مستدامة، مع الحرص على الحفاظ على توازن دقيق يمنع تحول الهجرة إلى عبء بنيوي دائم.
وفي ما يخص التوترات الإقليمية، شددت أستاذة العلاقات الدولية والتواصل السياسي، على أن استمرار القطيعة السياسية بين المغرب والجزائر، وتفاقم التوترات داخل الفضاء المغاربي، يجعلان من سنة 2026 مرحلة اختبار حقيقية لتموقع المغرب داخل الفضاءين الأوروبي والمتوسطي، خصوصًا مع تداخل هذا الخلاف مع توترات فرنسية–جزائرية ذات حمولة تاريخية وسياسية.
وأوضحت أن الخلاف المغربي الجزائري لم يعد معطى ثنائيا معزولًا، بل أصبح عنصرا حاضرًا في حسابات قوى أوروبية، تضطر إلى موازنة علاقاتها وفق اعتبارات براغماتية مرتبطة باستقرار الجنوب، وأمن الطاقة، وتدبير الهجرة، وهو ما يعزز صورة المغرب كشريك مستقر وقابل للتنبؤ.
وتطرقت المتحدثة عينها إلى أن هذا السياق قد يدفع أوروبا إلى اعتماد مقاربة انتقائية، تُرسخ حضور المغرب في الشراكات العملياتية المتوسطية، بوصفه فاعلا براغماتيا يستثمر في الاستقرار والوظيفة الاستراتيجية، بعيدًا عن الخطابات التصادمية.
وأشارت إلى أن دور المغرب في منطقة الساحل بات يتجاوز التعاون الأمني التقني، ليصبح جزءًا من إعادة تشكيل خرائط النفوذ في غرب إفريقيا، في ظل تعمق هشاشة المنطقة، وتراجع الأطر التقليدية للأمن الجماعي، وتصاعد تهديد الجماعات المسلحة والجريمة العابرة للحدود.
وأضافت أن المقاربة المغربية في الساحل تقوم على أبعاد متكاملة، أولها الخبرة الاستخباراتية وتبادل المعلومات، وثانيها الدبلوماسية الدينية الهادفة إلى تحصين المجتمعات من التطرف عبر تكوين الأئمة ونشر الخطاب المعتدل، وثالثها ربط الأمن بالتنمية وفك العزلة الاقتصادية عن دول الساحل غير الساحلية.
ولفتت المتحدثة ذاتها إلى أن هذا النهج يتيح للمغرب تقديم نفسه كشريك يحترم سيادة الدول وخصوصياتها، ويوازن بين الأمن والتنمية، مع تحويل الثقة الأمنية إلى نفوذ سياسي واقتصادي ملموس، خاصة في سياق تحولات تحالفية حادة تدفع بعض دول الساحل إلى البحث عن شركاء جدد.