اقتصادكم - أسامة الداودي
في ظل التحولات المتسارعة التي تعرفها خريطة الاقتصادات الناشئة في منطقتي الشرق الأوسط وإفريقيا، يثار النقاش حول موقع المغرب وقدرته على الانتقال من نموذج نمو متوسط إلى مسار تنموي أكثر دينامية في أفق 2030.
وانطلاقا من خبرات المؤسسات الدولية ومراكز التفكير، يبرز التساؤل حول السيناريوهات الأكثر ترجيحا للاقتصاد المغربي، وشروط الارتقاء به ضمن الاقتصادات الناشئة، بين رهانات الإصلاح البنيوي، وتحسين الإنتاجية، وتعزيز الاندماج في سلاسل القيمة العالمية.
آفاق الاقتصاد المغربي في أفق سنة 2030
وفي هذا الصدد، يرى الخبير الاقتصادي الدولي، الحسن عاشي، أن آفاق الاقتصاد المغربي في أفق سنة 2030 تظل رهينة بالاختيارات الإصلاحية التي ستعتمد خلال السنوات المقبلة، مبرزا أن المملكة تقف اليوم أمام مفترق طرق حاسم بين مسارين اقتصاديين مختلفين في العمق والنتائج.
وأفاد الخبير الاقتصادي الدولي، في تصريح لموقع "اقتصادكم"، بأن السيناريو الأول يقوم على استمرار الاستقرار الماكرو-اقتصادي دون إحداث تحول هيكلي فعلي، وهو مسار يسمح للاقتصاد الوطني بالحفاظ على قدرته على امتصاص الصدمات الخارجية، لكنه يبقي في المقابل على نمو متوسط، وإنتاجية ضعيفة، وسوق شغل عاجزة عن إدماج فئات واسعة من المجتمع، خصوصا الشباب والنساء وحاملي الشهادات.
وذكر المحدث ذاته أن خطورة هذا السيناريو تكمن في ترسيخه لنمط نمو محدود الأثر، حيث تظل الفرص الاقتصادية متمركزة داخل دوائر ضيقة، ولا تتحول الاستثمارات إلى رافعة حقيقية للتشغيل والارتقاء الاجتماعي، رغم توفر المغرب على هامش ديمغرافي مهم لا يزال غير مستغل بالشكل الكافي.
وأبرز الخبير الاقتصادي الدولي أن استمرار هذا الوضع على المدى المتوسط قد يؤدي إلى تآكل الثقة في المسار الاقتصادي، ويغذي مشاعر الإحباط والاحتقان الاجتماعي، بما قد يقوض تدريجيا أسس الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي ذاته، بدل أن يعززها.
واسترسل عاشي قائلا إن "السيناريو الثاني، وهو الأكثر طموحا، يقوم على تحول هيكلي عميق تقوده دولة فاعلة، تجعل من فتح الأسواق وتوسيع دائرة الفرص الاقتصادية جوهر سياساتها العمومية، بدل الاكتفاء بإدارة الاستقرار والمحافظة على التوازنات التقليدية".
كما أورد أن هذا التحول يقتضي بالضرورة إزالة الحواجز التنظيمية والمؤسساتية التي تعيق المنافسة، ومحاربة الممارسات الاحتكارية والريعية، وتعزيز الشفافية، وتقوية دور المؤسسات المستقلة الضامنة لقواعد لعب عادلة، بما يسمح بولوج فاعلين جدد إلى السوق على أساس الكفاءة والاستحقاق.
وشدد الحسن عاشي على أن التنمية لا تقاس فقط برفع معدلات النمو كيفما كان مصدرها، بل بمدى قدرتها على توسيع قاعدة المستفيدين منها، وتحويل النمو إلى أداة لإنتاج الفرص وتقليص الفوارق، وليس إلى آلية لإعادة إنتاج الاختلالات.
وأوضح أن ربط الحوافز بالأداء، وتوجيه السياسات الصناعية والاستثمارية نحو قطاعات كثيفة في المهارات وقابلة للتصدير، يشكلان عنصرين أساسيين للانتقال إلى اقتصاد أكثر دينامية، قادر على خلق قيمة مضافة عالية ورفع مستويات الإنتاجية الوطنية.
وتطرق المتحدث عينه إلى أهمية تحسين إدماج النساء وحاملي الشهادات في سوق الشغل، معتبرا أن الطاقات غير المستغلة تمثل أحد أكبر مكامن النمو الممكنة، إذا ما تم تحويلها إلى رافعة للابتكار والتنافسية بدل أن تبقى مصدرا للاختلال الاجتماعي.
وأشار إلى أن الصمود المناخي، ولا سيما فيما يتعلق بتدبير الموارد المائية، بات شرطا اقتصاديا حاسما، إذ لا يمكن تصور استدامة الاستثمار والتحول الإنتاجي في ظل هشاشة بيئية متزايدة، ما يستدعي إدماج البعد المناخي في صلب السياسات التنموية.
الرهان الحقيقي
وأضاف عاشي أن الرهان الحقيقي، في نهاية المطاف، لا يقتصر على الجوانب التقنية أو الاقتصادية الصرفة، بل يمتد إلى البعد المجتمعي، حيث يظل نجاح أي تحول رهينا بإحساس المواطن بأن الجهد يكافأ، وأن التعليم والعمل يفتحان أفقًا حقيقيًا للاندماج والترقي الاجتماعي.
ولفت المتحدث ذاته إلى أن بناء اقتصاد ناشئ ذي دينامية أعلى يتطلب إعادة ترسيخ الثقة، خصوصا لدى الشباب والنساء، في الاقتصاد باعتباره أداة للإنصاف والتقدم المشترك، وليس مجرد آلية لإدارة التوازنات.
وأضاف موضحا أن المغرب يمتلك كل المقومات للانتقال إلى مرحلة تنموية أكثر طموحًا، غير أن تفعيل هذا الإمكان يظل مشروطا بإرادة إصلاحية واضحة، تجعل من توسيع الفرص، ورفع الإنتاجية، وتعزيز العدالة الاقتصادية، مرتكزات أساسية لبناء مستقبل أكثر شمولًا واستدامة.