اقتصادكم - أسامة الداودي
رغم الجهود التي بذلها المغرب لتعزيز جاهزيته لمواجهة الكوارث، يظل التساؤل قائمًا حول مدى فعالية وسرعة التعويضات، خاصة من زاوية المؤمن لهم الذين ينتظرون حماية اقتصادية ملموسة تتجاوز الإطار النظري للنصوص القانونية.
وفي هذا الصدد، أكد الخبير في التأمينات وتدبير المخاطر، خالد لعسيري، أن الإطار القانوني المنظم، ولا سيما القانون 110-14، يعد من بين الأنظمة المتقدمة من حيث التصور، إذ يحدد بدقة آليات اشتغال صندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية، ويعتمد على موارد متنوعة تشمل مساهمة الدولة، وعائدات الرسوم شبه الجبائية، ومداخيل الاستثمار، فضلًا عن الإعانات والهبات، ما يعكس بنية مؤسساتية متكاملة.
حماية قانونية واسعة ونجاعة تنفيذية محدودة
وأوضح خالد لعسيري، في تصريح لموقع "اقتصادكم"، أن نفقات هذا الصندوق تُوجه أساسا نحو تعويض الضحايا، إلى جانب تقديم قروض لشركات التأمين وإعادة التأمين، وتغطية مصاريف التسيير، مبرزًا أن "هذه المنظومة لا تقتصر على فئة المؤمن لهم فقط، بل تمتد لتشمل أيضا غير المؤمنين، عبر تقديم مساعدات مالية في إطار مقاربة تضامنية تعكس البعد الاجتماعي للنظام التأميني الوطني".
وشدد الخبير ذاته على أن التأمين الإجباري لا ينبغي اعتباره سقفا للحماية، إذ يظل من حق الأفراد والمقاولات اللجوء إلى تأمينات إضافية اختيارية، تُمكن من الحصول على تعويضات أكثر شمولا وعدالة، خاصة في مواجهة المخاطر الكبرى التي قد تتجاوز حدود التغطيات الأساسية.
وفي المقابل، أبرز لعسيري أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الإطار القانوني، بل في مستوى الفعالية على أرض الواقع، حيث لا يزال بطء معالجة الملفات وصرف التعويضات من أبرز الإشكالات التي تؤثر على ثقة المؤمن لهم، وهو ما يعزوه إلى ضعف الرقمنة وتعقيد المساطر الإدارية.
إشكاليات التقييم والتواصل تعمق أزمة الثقة
كما أشار إلى أن غموض بعض بنود العقود التأمينية يخلق فجوة بين انتظارات الزبناء وما توفره التغطية الفعلية، ما ينعكس سلبا على وضوح العلاقة التعاقدية، ويزيد من الإحساس بعدم الرضا لدى المتضررين، خصوصا في حالات الكوارث التي تتطلب استجابة سريعة وشفافة.
وأضاف أن تقييم الأضرار يظل بدوره نقطة حساسة، إذ قد يؤدي غياب معايير موحدة أو تفاوت جودة الخبرة إلى شعور بعدم الإنصاف، حتى في ظل احترام المقتضيات القانونية، وهو ما يطرح إشكالية توحيد منهجيات التقييم وضمان جودتها.
وانطلاقًا من هذه المعاينة، اعتبر لعسيري أن تحسين نجاعة المنظومة يمر عبر مقاربة تدريجية، تبدأ على المدى القصير بتسريع رقمنة مساطر التصريح والتعويض، مع تحديد آجال ملزمة لصرف المستحقات، وتعزيز التواصل مع المؤمن لهم بلغة واضحة ومبسطة.
إصلاح تدريجي لتعزيز نجاعة منظومة التأمين
وفي ما يتعلق بالمدى المتوسط، دعا المتحدث عينه إلى توحيد وتبسيط العقود التأمينية، وإرساء مرجعيات وطنية دقيقة لتقييم الأضرار، إلى جانب الاستثمار في تكوين الخبراء وتعزيز مراقبة جودة الخبرة، مع تطوير منصات رقمية مشتركة بين مختلف المتدخلين.
أما على المدى الطويل، فأكد أن الرهان الاستراتيجي يكمن في بناء منظومة رقمية متكاملة تعتمد على البيانات والتكنولوجيا الحديثة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، بهدف توقع المخاطر وتسريع معالجة التعويضات، بالتوازي مع ترسيخ ثقافة تأمينية وتشجيع التغطيات التكميلية.
وخلص الخبير في التأمينات وتدبير المخاطر إلى أن التحدي اليوم لم يعد مرتبطا بإرساء المنظومة في حد ذاتها، بل بضمان نجاعتها وفعاليتها، من خلال جعل السرعة والشفافية والإنصاف عناصر ملموسة في تجربة المؤمن له، حتى يتحول التأمين ضد الكوارث إلى ركيزة حقيقية للأمن الاقتصادي، وليس مجرد التزام قانوني.