اقتصادكم - أسامة الداودي
بعد المصادقة على مشاريع كبرى للهيدروجين الأخضر بقيمة تناهز 319 مليار درهم، يدخل المغرب مرحلة حاسمة في مسار تحوله الطاقي، وسط تساؤلات متزايدة حول مدى قدرة هذه الاستثمارات الضخمة على التحول إلى صناعة متكاملة ذات أثر اقتصادي ملموس.
وفي هذا الصدد، يرى الأستاذ الجامعي بجامعة محمد الأول بوجدة والمتخصص في الطاقات المتجددة والتكنولوجيات الخضراء، كمال الحيرش، أن الانتقال من مرحلة الطموح النظري إلى التوطين الصناعي الفعلي يظل رهينا بقراءة دقيقة لحجم الاستثمارات المعلن عنها، والتي لا يمكن فصلها عن الرؤية الاستراتيجية الشاملة للمملكة.
وأبرز كمال الحيرش، في تصريح لموقع "اقتصادكم"، أن هذه الرؤية لا تقتصر على تحويل المغرب إلى مجرد مزود للطاقة النظيفة أو ممر طاقي نحو أوروبا، بل تروم بناء منظومة صناعية سيادية ومتكاملة، تنطلق من تصنيع المعدات الحيوية محليا، مثل المحللات الكهربائية والألواح الشمسية ومكونات توربينات الرياح، وصولاً إلى توطين التكنولوجيا المتقدمة وتطويرها داخل النسيج الوطني.
وشدد المتحدث ذاته على أن الرهان الحقيقي يكمن في تحقيق الإدماج الصناعي العمودي، من خلال دمج الهيدروجين الأخضر في القطاعات الإنتاجية القائمة، خاصة قطاع الأسمدة عبر إنتاج الأمونيا الخضراء، بما يمكن المغرب من تعزيز سيادته الطاقية والغذائية في آن واحد.
وأضاف أن هذا التوجه من شأنه أن يساهم في تحويل المملكة من بلد مستورد للتجهيزات الطاقية إلى قوة صناعية منتجة ومصدرة للطاقة النظيفة، وهو ما سيحدث تحولا نوعيا في بنية الميزان التجاري ويقلص من التبعية للخارج، مع خلق دينامية اقتصادية جديدة ذات قيمة مضافة عالية.
وفي معرض تحليله للأبعاد الجيوسياسية لهذا التحول، أوضح الخبير أن الموقع الجغرافي الاستراتيجي للمغرب يمنحه امتيازا تنافسيا كبيرا، إذ يشكل جسرا طاقيا يربط بين الموارد الطبيعية الإفريقية والطلب الصناعي المتزايد في أوروبا.
ولفت الحيرش إلى أن هذا التموضع يعزز من مكانة المغرب كمركز ثقل طاقي عالمي، ويمنحه قوة تفاوضية متنامية في المحافل الدولية، حيث لم يعد يُنظر إليه فقط كدولة تسعى إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي، بل كشريك أساسي في صياغة معالم الأمن الطاقي العالمي، مبرزاً أن هذه الدينامية تندرج ضمن ما يمكن تسميته بـ”الدبلوماسية الخضراء” التي تعزز النفوذ الاقتصادي للمملكة.
غير أن الأستاذ الجامعي بوجدة لم يُخف، في المقابل، حجم التحديات التي تعترض هذا المسار الطموح، مؤكداً أن بلوغ الريادة في هذا المجال يظل مشروطا بتجاوز عقبات تقنية وتشريعية معقدة.
وأشار إلى أن أولى هذه التحديات ترتبط بضرورة تطوير بنية تحتية متخصصة، تشمل شبكات نقل الهيدروجين وتهيئة الموانئ الكبرى لتكون منصات عالمية للشحن والتخزين، إلى جانب إشكالية التوفيق بين متطلبات الطاقة والمياه، في ظل الاستهلاك الكبير للمياه في عملية إنتاج الهيدروجين، وهو ما يفرض تسريع إنشاء محطات تحلية تعتمد على الطاقات المتجددة لتفادي الضغط على الموارد المائية.
كما أبرز المتحدث عينه أن الالتزام بالمعايير الدولية، خاصة تلك التي يفرضها الاتحاد الأوروبي، يمثل تحديا محوريا لضمان تنافسية الهيدروجين المغربي في الأسواق العالمية، مشددا على ضرورة احترام الشروط المرتبطة بالبصمة الكربونية وإنتاج طاقة خضراء بالكامل.
وفي السياق عينه، أشار إلى أن نجاح هذا الورش الاستراتيجي يظل رهينا بتعزيز دور البحث العلمي والابتكار، عبر ربط الجامعات ومراكز البحث بالمنظومة الصناعية، وتطوير برامج تكوين حديثة تواكب التحولات التكنولوجية في مجال تخزين ونقل الهيدروجين.
وفي ختام تحليله، اعتبر الحيرش أن المعيار الحقيقي لنجاح هذا القطاع لا يقتصر على حجم الاستثمارات أو القدرات الإنتاجية، بل يتجلى أساساً في الأثر الاجتماعي والاقتصادي الملموس، من خلال خلق فرص شغل مؤهلة ومستدامة، وإدماج المقاولات الصغرى والمتوسطة في سلاسل القيمة، فضلا عن تحقيق عدالة مجالية عبر تحويل المناطق المستضيفة لهذه المشاريع إلى أقطاب تنموية قادرة على تقليص الفوارق وتحقيق تنمية شاملة لفائدة المواطن المغربي.