نحو اقتصاد يمول نموه من الداخل.. خبيرة دولية تشرح معادلة الاستثمار بالمغرب

ملفات خاصة - 22-01-2026

نحو اقتصاد يمول نموه من الداخل.. خبيرة دولية تشرح معادلة الاستثمار بالمغرب

اقتصادكم - أسامة الداودي

لا يقاس تطور الاقتصادات فقط بحجم الموارد، بل بقدرتها على تعبئة الادخار وتحويله إلى استثمار منتج، وهو ما يجعل الثقافة المالية مدخلا حاسما لفهم مسار النمو بالمغرب. 

غير أن الواقع يظهر أن جزءا كبيرا من الادخار الوطني ما يزال محصورا في قنوات تقليدية ضعيفة الأثر الإنتاجي، وهو ما يطرح تحديا مؤسساتيا يتعلق بكيفية توجيه هذه الكتلة المالية نحو استثمارات قادرة على تحريك الاقتصاد الحقيقي.

وفي هذا السياق، أجرى موقع "اقتصادكم" حوارا مع عبير كرول غردان، الخبيرة الدولية في القطاع المالي، والحاصلة على ماجستير في إدارة الأعمال، والتي راكمت تجربة واسعة في المصرفية الاستثمارية وإدارة الأصول والاستثمار العالمي، وتولت مناصب قيادية داخل مؤسسات مالية دولية كبرى.

وخلال هذا الحوار، قدمت الخبيرة الدولية قراءة مبسطة لدور الثقافة المالية في تحويل الادخار إلى استثمار منتج، انطلاقا من خبرتها في وول ستريت وأوروبا، مؤكدة أن الوعي المالي أصبح شرطا أساسيا للنمو وفهم تحديات الاقتصادات الناشئة، ومنها المغرب.

وفيما يلي نص الحوار:


في ظل ضعف الإقبال على الاستثمار في الأسواق المالية مقارنة بحجم الادخار، إلى أي حد ترون أن نشر الثقافة المالية يمكن أن يتحول إلى رافعة حقيقية للنمو الاقتصادي بالمغرب، وليس مجرد مبادرة توعوية؟

من خلال التجارب التي راكمتها داخل أكبر المراكز الاستثمارية العالمية، من وول ستريت إلى لوكسمبورغ ولندن، تبين لي أن الثقافة المالية والوعي المالي ليسا مجرد أدوات توعوية مكملة، بل يشكلان بنية تحتية غير مرئية للاقتصاد. 

فلا يمكن لأي اقتصاد أن يحقق نموا مستداما إذا ظل الادخار خاملا، غير محول إلى استثمار منتج، وغير مرتبط بدينامية خلق القيمة، وفي المغرب، لا يكمن الإشكال في ضعف الادخار، بل في غياب الجسر الذي يربطه بالاقتصاد الحقيقي.  

ومن هنا جاءت رؤيتي وهدفي من إطلاق مبادرة وبرنامج “فايننس بالمغربي”، لنشر الثقافة المالية والاستثمارية انطلاقا من خبرتي الميدانية.  

فهنا بالضبط تتحول الثقافة المالية من مجرد مبادرة تثقيفية إلى رافعة استراتيجية للنمو. فعندما يفهم المواطن منطق الأسواق، وإدارة المخاطر، وآليات الاستثمار طويل الأجل، يصبح فاعلا اقتصاديا واعيا، لا مجرد مدخر سلبي.

ومن الضروري التأكيد على أن الثقافة المالية تحدث تحولا عميقا في بنية الاقتصاد، إذ تسهم في تحرير رأس المال المحلي عبر توجيه المدخرات نحو أدوات استثمارية منظمة وشفافة، بما يسمح بتحويل الادخار من سلوك احترازي جامد إلى مورد فعال في تمويل الأنشطة المنتجة وخلق القيمة داخل الاقتصاد الحقيقي. 

وفي السياق ذاته، ينعكس هذا التحول على تعميق الأسواق المالية وزيادة سيولتها، ما يعزز جاذبيتها للاستثمار المؤسسي المحلي والدولي، ويدعم انتقال السوق المغربي من وضعية سوق ناشئة إلى أفق أكثر تطورا واستقرارا. 

ويواكب ذلك بناء ثقة مستدامة بين المواطن والمؤسسات المالية، وهي الثقة التي تشكل الركيزة الأساسية لأي نظام مالي متين وقادر على الاستمرار. 

وفي الاقتصادات المتقدمة، لم يكن تطور الأسواق نتيجة وفرة رأس المال فقط، بل ثمرة نضج المستثمر الفرد، وهذا النضج هو ما يسمح بتمويل الشركات، ومنحها هامشا للتطوير، ودعم الابتكار، وتخفيف الضغط عن التمويل العمومي.

غير أن الشرط الأساسي لنجاح هذه الثقافة يتمثل في ألا تقدم كخطاب نظري أو حملات موسمية، بل كجزء من رؤية وطنية شاملة، ترتكز على التبسيط والمسؤولية والشفافية.  

وهذا ما أسعى إلى تقديمه عبر Finance Bel Maghribi، لأن الثقافة المالية حين تتحول إلى وعي جماعي، يصبح الاستثمار سلوكا طبيعيا لا مخاطرة غامضة. 

وعندها فقط، يمكن للاقتصاد المغربي أن ينتقل من اقتصاد قائم على الادخار الاحترازي إلى اقتصاد قائم على الاستثمار المنتج، والنمو الذكي، وخلق الثروة المستدامة، بما يحقق المنفعة للمواطن والمؤسسات والمملكة بأكملها.


تشير تحليلات حديثة إلى أن جزءا كبيرا من الادخار المغربي يظل مجمدا في قنوات تقليدية، كيف يمكن عمليا، إعادة توجيه هذا الادخار نحو أدوات استثمارية أكثر إنتاجية مثلا أسهم، صناديق، Private Equity مع حماية صغار المستثمرين؟

في جميع الأسواق التي نجحت في تحويل الادخار إلى محرّك فعلي للنمو، سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا أو آسيا، لم يكن التحدي تقنيًا بقدر ما كان مؤسساتيا وثقافيا، فالادخار لا يتجه تلقائيا نحو الاستثمار المنتج، بل يُعاد توجيهه عبر منظومة متكاملة قوامها الثقة والشفافية والحوافز الذكية.  وعمليا، أرى أن إعادة توجيه الادخار المغربي تتطلب ثلاث طبقات مترابطة من الإصلاح.

أولا، بناء أدوات استثمارية وسيطة بسيطة ومرنة، لأن صغار المدخرين لا يحتاجون إلى منتجات معقدة، بل إلى أدوات واضحة، منخفضة التكلفة، ومدارة باحتراف.  

وهنا يبرز دور صناديق الاستثمار، وصناديق المؤشرات المدرجة في البورصة، ومنتجات الادخار الاستثماري طويلة الأجل المصممة خصيصا للطبقة المتوسطة، كما عاينت ذلك في الولايات المتحدة حين كنا نقترح منتجات موجهة لعمال في أمريكا الجنوبية. 

وتعد هذه الأدوات أساسية لتحويل الادخار المجزأ إلى قوة تمويلية جماعية تخدم الاقتصاد الحقيقي.

ثانيا، حماية صغار المستثمرين عبر التنظيم لا المنع، فمن خلال تجربتي الدولية، تبين لي أن حماية المستثمر لا تتحقق بتقييد الولوج إلى الأسواق، بل بفرض الشفافية والإفصاح الكامل حول الاستثمارات، والفصل الواضح بين التوعية المالية وتقديم النصيحة الاستثمارية، إلى جانب تقوية دور الهيئات الرقابية في المراقبة الاستباقية بدل التدخل بعد وقوع الضرر.

فالاستثمار في الأسهم والـPrivate Equity لا ينبغي أن يكون حكرا على النخب أو كبار المستثمرين، لكن في المقابل لا يمكن توسيع نطاقه بشكل عشوائي، بل يجب أن يتم ذلك ضمن أطر تدريجية ومدروسة، تراعي مستوى المعرفة والقدرة على تحمّل المخاطر لدى كل فئة من المستثمرين. 

وفي هذا السياق، شهدت بعض الأسواق المتقدمة خلال السنوات الأخيرة مبادرات تنظيمية مبتكرة مكنت فئات أوسع من المستثمرين متوسطي رؤوس الأموال من الولوج الجزئي والمنظم إلى شركات غير مدرجة، عبر هياكل استثمارية جماعية ومنصات خاضعة للرقابة.  

وهي أنشطة كانت تاريخيا حكرا على كبار المستثمرين والمستثمرين المعتمدين وصناديق رأس المال المخاطر (Venture Capital Funds). 

ولم يكن الهدف من هذا التوجه تعميم المخاطر، بل دمقرطة الوصول إلى خلق القيمة، مع الإبقاء على معايير صارمة لحماية المستثمر وضمان الشفافية.

ثالثا، تحفيز الاستثمار طويل الأجل وربطه بالاقتصاد الوطني، فبما أن جزءا كبيرا من الادخار يظل مجمدا بسبب قصر الأفق الزمني وارتفاع الخوف من التقلبات، فإن الحل، في نظري، يكمن في اعتماد تحفيزات ضريبية موجهة للاستثمار طويل المدى، وربط بعض الأدوات الاستثمارية بقطاعات استراتيجية مثل الصناعة والتكنولوجيا والانتقال الطاقي.

إلى جانب تمكين عدد أكبر من الشركات من الولوج إلى بورصة الدار البيضاء، وهو مسار بدأ المغرب فعليا في الاشتغال عليه.  

كما يندرج إدماج الـPrivate Equity كقناة لتمويل المقاولات الصغرى والمتوسطة، لا كأداة للمضاربة، ضمن هذا التوجه.

في المؤسسات العالمية التي عملت معها، كان نجاح توجيه الادخار مرتبطا دائما بفكرة واحدة: حين يشعر المواطن أن استثماره يساهم في بناء الاقتصاد، وليس فقط في تحقيق ربح فردي، يتحول إلى مستثمر ملتزم لا إلى مضارب قلق. 

وخلاصة القول، إن توجيه الادخار نحو الاستثمار المنتج ليس مسألة أدوات مالية فحسب، بل هو مشروع وطني متكامل يهدف إلى بناء مستثمر واع، وسوق مالية عميقة، واقتصاد قادر على تمويل نموه من الداخل.