اقتصادكم-حنان الزيتوني
في السنوات الأخيرة، لم تعد شبكات التواصل الاجتماعي مجرد فضاءات للتواصل، بل تحولت إلى فاعل غير مرئي شديد التأثير في مسار الاقتصادات الإفريقية، إذ بات حضورها يمتد إلى عمق مناخ الاستثمار، ويؤثر في استقرار الأسواق، ويعيد تشكيل مستوى الثقة لدى الفاعلين الاقتصاديين.
فحالة الاستقطاب الحاد التي تغذيها هذه المنصات أدت إلى هشاشة اجتماعية متزايدة، وهو ما ينعكس سلبا على مؤشرات النمو، ويضعف جاذبية القارة أمام رؤوس الأموال الأجنبية، التي تبحث بالأساس عن بيئات مستقرة وقابلة للتوقع.
مناخ رقمي متوتر
واقتصاديا، ورغم أن المغرب يسير خلال السنوات الأخيرة في منحى إيجابي، مدعوما بإصلاحات هيكلية وشراكات قوية على الصعيد العالمي، فإن هذا المناخ الرقمي المتوتر، الذي عاد إلى الواجهة بقوة بعد نهائي كأس إفريقيا للأمم بين السنغال والمغرب، يساهم في رفع كلفة المخاطر السيادية، ويؤثر سلبا على قرارات المستثمرين والمؤسسات المالية الدولية، التي تظل شديدة الحساسية تجاه أي مؤشرات على التوتر وعدم الاستقرار.
فالخطاب الانقسامي الذي تصاعد عقب هذا الحدث الرياضي، والقائم على الهويات الضيقة والمنافسات الرمزية بين الشعوب، يترجم عمليا إلى توترات اجتماعية قد تعرقل سلاسل الإنتاج، وتضعف الإنتاجية، وتستنزف الموارد العمومية في تدبير الأزمات الظرفية بدل توجيهها نحو أولويات التنمية، والبنية التحتية، وخلق فرص الشغل.
كما أن الاقتصاد الرقمي الإفريقي نفسه بات مهددا بهذه الدينامية، إذ تتحول المنصات التي يفترض أن تكون رافعة للابتكار وريادة الأعمال إلى فضاءات لتضخيم الغضب وتآكل الثقة، وهو ما يفرض، من منظور اقتصادي صرف، إعادة التفكير في حكامة هذه المنصات، ليس بدافع سياسي أو أيديولوجي، بل انطلاقا من ضرورة حماية الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، باعتباره شرطا أساسيا لأي مسار تنموي مستدام في القارة.
تحذير من كلفة الانقسام الرقمي على مستقبل إفريقيا
وفي هذا السياق، صرح نصر الله بلخياط، المستشار الدبلوماسي لدى رئاسة “الهيئة العليا للدياسبورا الإفريقية” بفرنسا، أن ما يحدث اليوم على شبكات التواصل الاجتماعي «لم يعد مسألة حرية تعبير، بل أصبح تحديا اقتصاديا واستراتيجيا حقيقيا».
وأكد بلخياط في اتصال مع موقع "اقتصادكم"، أن تفكك النسيج الاجتماعي الرقمي ينذر بتكاليف باهظة على المدى المتوسط والبعيد، سواء من حيث تراجع الاستثمار، أو تصاعد المخاطر، أو إضعاف موقع إفريقيا داخل الاقتصاد العالمي.
وأضاف بلخياط أن "أي تكنولوجيا أو خوارزمية، مهما بلغت قوتها، لا يمكن أن تكون أهم من استقرار الشعوب ومستقبل التنمية في إفريقيا"، داعيا إلى مقاربة ذكية ومتوازنة لتنظيم المنصات الرقمية، تحمي الاقتصاد، وتصون السلم الاجتماعي، وتحول الفضاء الرقمي من عامل انقسام إلى رافعة حقيقية للتكامل والنمو القاري.