اقتصادكم- حنان الزيتوني
يتساءل المواطن المغربي في كل مرة يشهد فيها سعر الذهب ارتفاعا مفاجئا أو انخفاضا محدودا: لماذا لا تنعكس التغيرات العالمية للذهب مباشرة على السوق الوطنية؟ هل السبب قوانين السوق، أم تدخل المضاربين، أم أن السوق نفسها تفتقر إلى آليات شفافة لتنظيم الأسعار؟ هذه التساؤلات تكشف التحديات الحقيقية التي تواجه قطاع الذهب في المغرب، الذي يضم آلاف الصائغين والحرفيين ويعد موردا اقتصاديا مهما للبلاد.
أسباب الانهيار المفاجئ في أسواق الذهب والفضة
قبل تحليل وضع السوق الوطنية والإجابة عن هذه الأسئلة، من المهم فهم ما حدث عالميا خلال الأسبوع الماضي، بالتحديد يومي الخميس والجمعة 29 و30 يناير 2026، عندما اهتز الرأي العام وتوجه الجميع للحديث عن أسعار الذهب بين القلق والترقب.
فرغم أن المنطق الاقتصادي يقول إن الذهب والفضة عادة ما يرتفعان مع تصاعد المخاطر الجيوسياسية ومحاولات البنوك المركزية امتصاص التهديدات الاقتصادية، شهد السوق هبوطا مفاجئا تجاوز 10% خلال هذين اليومين، والسبب لم يكن في فقدان الذهب لقيمته الحقيقية، بل نتيجة أزمة سيولة مفاجئة في "وول ستريت".
القصة بدأت بأسهم شركات التكنولوجيا، حيث تراجع سهم مايكروسوفت بأكثر من 11% في جلسة واحدة، مما أدى إلى سحب مؤشر نازداك التكنولوجي بالكامل نحو الانخفاض، حيث واجه المستثمرون الكبار الذين تكبدوا خسائر فادحة، طلبات فورية من الوسطاء الماليين لتغطية هذه الخسائر نقدا، ما يعرف بـ"نداء الهامش" ومع عدم توفر السيولة الكافية لديهم، اضطر هؤلاء إلى بيع الأصول الأكثر سيولة بسرعة، وكان الذهب والفضة هو الخيار الأسهل والأسرع لتغطية الالتزامات المالية.
والسبب الأكبر وراء هذا الانهيار العنيف يكمن في استخدام المضاربين للرافعة المالية، وهي آلية تسمح بشراء كمية كبيرة من الذهب أو الفضة بمبلغ صغير من المال، مستدينين الباقي من منصات التداول لتعظيم الأرباح.
وعندما تتحرك الأسعار بسرعة، تفعل أوامر وقف الخسارة تلقائيا عند مستويات متشابهة لجميع المضاربين، ما يؤدي إلى موجة بيع متسلسلة تعرف بـبيع الذعر.
والأمثلة الواقعية على ذلك كانت تغييرات بورصة شيكاغو CME وقرار شركة "واندا جلوبال" بخفض الرافعة المالية على عقود الفضة من 20 ضعفا إلى 5 أضعاف، ما أجبر المضاربين على البيع فورا بسبب نقص السيولة، والنتيجة كانت خروج سيولة تقدر بنحو 4 مليارات دولار من سوق الذهب والفضة خلال أقل من 24 ساعة، ليس برغبة المستثمرين، بل بالقوة.
وهكذا يتضح أن الانهيار لم يكن في قيمة الذهب نفسه، بل في سوق العقود الورقية المرتبطة به، وهو ما يفسر لماذا نرى تقلبات حادة في أسعار المعادن الثمينة أحيانا دون أن تكون مرتبطة مباشرة بالقيمة الحقيقية للذهب.
ماذا يقع في الأسواق الوطنية؟
ولرصد الموضوع وطنيا وما يقع في الأسواق، أوضح إدريس الهزاز، رئيس الفيدرالية المغربية للصائغين، أن المشكلة ليست فقط في تقلب الأسعار العالمية، بل تكمن أساسا في طريقة توزيع الذهب داخل المغرب، فبالرغم أن القانون المؤطر للسوق يفرض على المصدرين توجيه 15% من الذهب إلى السوق الوطنية، إلا أن هذا المبدأ لا يطبق فعليا، إذ يرفض المصدرون تقديم أي كمية مسبقا ويؤخرون تسليم الذهب، ما يخلق نقصا في المادة الخام ويضغط على الأسعار.
وأورد الهزاز في اتصال مع موقع "اقتصادكم"، أن هذا الفراغ القانوني يفتح المجال أمام تهريب الذهب والفضة خارج البلاد، قبل أن يعود لاحقا عبر وسطاء يعرفون بـ"الفراقشية"، الذين يفرضون أسعارا أعلى بكثير من السعر العالمي، أحيانا بين 12 و13 ألف درهم للغرام.
وأوضح المهني أن انخفاض أسعار الذهب في الأسواق العالمية لا يظهر مباشرة في المغرب، والسبب بسيط حيث عبر قائلا: "المخازن والمحلات تشتري الذهب بأسعار مرتفعة، فإذا انخفض السعر عالميا لا يمكنهم بيعه بسعر أقل، لأن هذا سيكلفهم خسارة مالية، لذلك يظل الذهب يباع في السوق المغربية بسعر مرتفع مقارنة بالأسعار العالمية، حتى لو هبط سعره في الخارج".
وأضاف الهزاز أن هذا الوضع يؤدي إلى توقف الورشات الصغرى والمتوسطة عن العمل، ويجعل المستهلك المغربي ضحية مباشرة لهذه التقلبات والاحتكار، وأشار إلى أن المضاربة أصبحت ظاهرة مهيمنة، تتحكم في السوق وتتسبب في اختلالاته المستمرة.
موقف مجلس المنافسة
ومن جانبه، أوضح أحمد رحو، رئيس مجلس المنافسة، أن السوق الوطنية للذهب تخضع بشكل أساسي لقانون العرض والطلب، وأكد أن هناك فرقا بين التغييرات المؤقتة والتغييرات طويلة المدى في الأسعار، مشيرا إلى أن ارتفاع أو انخفاض الذهب عالميا لا يعني بالضرورة انعكاسه مباشرة على السوق المحلية.
وفي تصريح لموقع "اقتصادكم"، قال رحو: "مثال سوق المحروقات يوضح أن متابعة الأسعار على المدى الطويل تسمح للسوق بالوصول إلى توازنه الطبيعي، أما سوق الذهب، فلم يشهد بعد مثل هذا التتبع المكثف، وفي حالة ظهور أي اختلال مستمر في السوق، يقوم مجلس المنافسة بفتح تحقيق، لكن الوضع الحالي لا يستدعي تدخلا عاجلا، لأن أي ارتفاع أو انخفاض يبقى محدودا في الزمن".
وأضاف رحو أن المضاربة موجودة عالميا، وأن تدخل السلطات يكون فقط عند الضرورة، أي إذا استمر الاختلال لفترة طويلة وبدأ يؤثر على السوق المحلية بشكل كبير.
تقلب الأسعار
أما المختار كرومي، رئيس جمعية الصائغين التقليديين بجهة الدار البيضاء سطات، فقد ركز على الجانب العملي لتقلب الأسعار وتأثيرها على السوق المحلي موضحا أن أسعار الذهب المصوغ تعكس تكلفة المادة الأولية إضافة إلى تكاليف الصياغة، لذلك فإن انخفاض السعر العالمي لا يظهر مباشرة على الأسعار المحلية.
وأضاف المتحدث في تصريح للموقع، أن المضاربة ظاهرة موجودة عالميا، وتؤثر على الفارق بين سعر الذهب في المغرب والأسواق الدولية، حيث سجل هذا الفارق في الأيام الأخيرة حوالي 380 درهم للغرام.
وشدد كرومي على أن تداول الأخبار حول الأسعار على مواقع التواصل الاجتماعي غالبا ما يكون مضللا، وأن السوق المحلية تخضع لقانون العرض والطلب كما هو معمول به دوليا، مع تأخر زمني يوضح الفارق بين سعر المادة الأولية وتكلفة البيع للمستهلك النهائي.
بين المضاربة والاحتكار والآليات القانونية
ومن خلال تصريحات المسؤولين الثلاثة، يمكن استنتاج أن تقلبات أسعار الذهب في المغرب تعود إلى مجموعة من العوامل المترابطة:
أولا: الاختلال في توجيه الذهب والفضة للسوق المحلية، ما يخلق فجوة بين العرض والطلب.
ثانيا: تدخل المضاربين والوسطاء، الذين يفرضون أسعارا أعلى من السعر العالمي.
ثالثا: تأخر انعكاس الأسعار العالمية على السوق الوطنية، بسبب المخزونات والتكاليف الإضافية للشراء والصياغة.