لماذا ما تزال الكلفة القانونية تعرقل الاستثمار في المغرب؟

ملفات خاصة - 09-05-2026

لماذا ما تزال الكلفة القانونية تعرقل الاستثمار في المغرب؟

اقتصادكم - أسامة الداودي

باتت فعالية الإطار القانوني وسرعة الإجراءات من بين أبرز العوامل المؤثرة في قرار المستثمر، في ظل استمرار تحديات ترتبط بتنفيذ العقود، والرقمنة، ومدى انسجام المساطر الإدارية مع الواقع العملي للمقاولة بالمغرب.

ويطرح هذا الواقع تساؤلات متزايدة حول التدابير القانونية والإدارية الأكثر إلحاحا اليوم، من أجل تعزيز وضوح الإطار القانوني، وتسريع المساطر المرتبطة بالاستثمار، وتحسين جاذبية مناخ الأعمال.

وفي هذا الصدد، شدد الباحث في القانون الاقتصادي، زكرياء الزوجال، على أن الأولوية القصوى اليوم لا تكمن في إصدار قوانين جديدة، بقدر ما تتمثل في التسريع الفعلي لتنفيذ الإصلاحات التي تم إطلاقها خلال السنوات الأخيرة، معتبرا أن المغرب يتوفر بالفعل على منظومة قانونية حديثة وغنية، غير أن فجوة التنفيذ ما تزال تؤثر على جاذبية الاستثمار ونجاعة بيئة الأعمال.

إنهاء الفراغ التنظيمي وتسريع الإصلاحات

وأبرز الزوجال، في تصريح لموقع "اقتصادكم"، أن من بين الأولويات الأساسية المطروحة اليوم إنهاء الفراغ التنظيمي، عبر إصدار النصوص التنظيمية داخل الآجال المحددة، وربط أي تأخير بآليات للمساءلة البرلمانية والقضائية، إلى جانب تفعيل القوانين الأفقية التي تشكل ضمانات أساسية للمستثمرين.

وأضاف أن الأمر يقتضي أيضا مواصلة تنزيل مقتضيات القانون المتعلق بإصلاح المراكز الجهوية للاستثمار واللجان الجهوية الموحدة للاستثمار، إلى جانب مراجعة القانون التنظيمي لقانون المالية، بما يسمح بتعزيز وضوح المالية العمومية وترسيخ الشفافية عبر إدخال قواعد ميزانياتية جديدة.

وتابع زكرياء الزوجال أن من أكبر التحديات المطروحة حاليا الانتقال من منطق الإدارة الورقية إلى منطق تبادل البيانات بين الإدارات، من خلال ربط الأنظمة المعلوماتية بين مختلف المؤسسات، مثل المحافظة العقارية، والإدارة الجبائية، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، بهدف إنهاء مطالبة المستثمرين بالإدلاء المتكرر بالوثائق نفسها.

واسترسل الباحث قائلا إن تجاوز هذا الإشكال يتطلب إلزام مختلف الإدارات بالانخراط في منصة التبادل البيني، عبر إطلاق منصة موحدة للاستثمار تربط جميع المتدخلين، بما يسمح بتسريع المساطر وتحسين فعالية الخدمات الإدارية الموجهة للمستثمرين.

رقمنة الإدارة وتبسيط المساطر الاستثمارية

كما أورد المتحدث عينه أن تعزيز فعالية المراكز الجهوية للاستثمار يظل من بين الأوراش ذات الأولوية، من خلال الإسراع في نقل الصلاحيات إلى المستوى الجهوي، وتفعيل قرارات اللجنة الوزارية للاتمركز الإداري، خاصة ما يتعلق بإصدار المراسيم المتبقية الخاصة بنقل اختصاصات القطاعات الوزارية إلى ممثليها الجهويين.

وأشار إلى أن المجلس الأعلى للحسابات سبق أن أوصى بتسريع هذا الورش، خصوصا في ما يتعلق بالاختصاصات المرتبطة بتحفيز الاستثمار، بالنظر إلى دورها في تقليص آجال معالجة الملفات وتحسين مناخ الأعمال على المستوى الترابي.

وشدد الباحث في القانون الاقتصادي على ضرورة تسريع تنزيل مقتضيات القانون رقم 55-19 المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية، مع تعميم منصة “إدارتي”، والانتقال نحو رقمنة شاملة تشمل الإدارة الجبائية، والإدارة الجمركية، والمنظومة القضائية.

ولفت المتحدث ذاته إلى أن العقار ما يزال يمثل أحد أكبر العوائق التي تواجه الاستثمار، رغم مختلف الإصلاحات التي تم إطلاقها خلال السنوات الأخيرة، معتبرا أن معالجة هذا الملف ينبغي أن تشكل أولوية قصوى بالنظر إلى تأثيره المباشر على جاذبية المشاريع والاستثمارات.

 إصلاح جبائي لمواكبة التحول الطاقي والرقمي

وفيما يخص الإصلاح الجبائي، أوضح زكرياء الزوجال أن المرحلة الحالية تفرض مراجعة القانون الجبائي بما يواكب التحولات الطاقية والرقمية، عبر تسريع الإجراءات المتعلقة بمراجعة الرسوم الجمركية لتحفيز الصناعة الوطنية، خاصة في قطاعات الطاقات المتجددة.

وأضاف أن توسيع نظام الخصم من المصدر، وفرض الفاتورة الإلكترونية، من شأنهما المساهمة في محاربة الاقتصاد غير المهيكل وتعزيز الشفافية داخل المعاملات الاقتصادية، إلى جانب تحسين وضوح النصوص الجبائية وضمان مقروئية أفضل للمدونة العامة للضرائب بما يعزز الأمن القانوني للمستثمرين.

وذكر الباحث في القانون الاقتصادي أن تحسين الحكامة والشفافية يظل بدوره من بين المحاور الأساسية المرتبطة بجاذبية الاستثمار، خاصة من خلال إصلاح المؤسسات والمقاولات العمومية، وتسريع تحويل تلك ذات الطابع التجاري إلى شركات مساهمة.

وزاد موضحا أن اعتماد مدونة للحكامة الجيدة من شأنه تعزيز شفافية تدبير هذه المؤسسات وفتح المجال أمام فرص استثمارية جديدة، بما يساهم في تقوية ثقة الفاعلين الاقتصاديين في بيئة الأعمال المغربية.