كيف يواجه المغرب تأثير التوترات الجيوسياسية على الغذاء والطاقة والأسمدة؟

ملفات خاصة - 02-06-2026

كيف يواجه المغرب تأثير التوترات الجيوسياسية على الغذاء والطاقة والأسمدة؟

اقتصادكم - أسامة الداودي

تفرض التحولات الجيوسياسية المتسارعة نفسها اليوم كأحد أبرز العوامل المؤثرة في الأمن الغذائي للدول، بعدما باتت النزاعات الدولية والتوترات الإقليمية تنعكس بشكل مباشر على أسعار الحبوب والأسمدة والطاقة وسلاسل التوريد العالمية. 

وفي ظل هذا الواقع، يبرز سؤال مدى قدرة المغرب على تحصين أمنه الغذائي وتقليص تأثره بالتقلبات الخارجية.

المناخ في صلب المعادلة الغذائية

وأكد زكرياء حنفي، مدير المركز المغربي للتحليل والاستشراف الجيوسياسي (CMAAG)، أن قضية الأمن الغذائي لم تعد تقتصر على بعدها الاقتصادي أو الفلاحي فقط، بل تحولت إلى رهان استراتيجي مرتبط بقدرة الدول على الحفاظ على استقرارها الداخلي ومواجهة التداعيات الناتجة عن الأزمات الدولية والتقلبات الجيوسياسية المتلاحقة.

وأوضح حنفي، في تصريح لموقع "اقتصادكم"، أن المغرب يظل مرتبطاً إلى حد كبير بالتقلبات المناخية وتأثيراتها المباشرة على النشاط الفلاحي، باعتبار هذا القطاع أحد الأعمدة الرئيسية للأمن الغذائي الوطني. 

وتابع أن التساقطات المطرية ظلت عبر قرون عاملا حاسما في تحديد مردودية المواسم الفلاحية وحجم الإنتاج الزراعي، وهو واقع تشترك فيه عدة دول بمنطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط التي تواجه ظروفاً مناخية متقاربة.

وأضاف أن التاريخ المغربي يقدم نماذج عديدة حول تأثير الجفاف على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، مذكراً بأن المغفور له الملك الحسن الثاني سبق أن أشار في أحد خطاباته إلى أن عددا من الدول والسلالات التي تعاقبت على حكم المغرب تأثرت بشكل كبير بفترات الجفاف التي عرفتها البلاد عبر مراحل مختلفة من تاريخها.

السدود والتحلية في مواجهة المخاطر

وفي معرض حديثه عن سبل مواجهة هذه التحديات، أبرز مدير المركز المغربي للتحليل والاستشراف الجيوسياسي أن السلطات المغربية اعتمدت على مدى عقود سياسة مائية طموحة تروم تقليص التبعية للتساقطات المطرية وتعزيز القدرة على مواجهة فترات الجفاف. 

وتجلت هذه السياسة أساسا في تشييد عدد كبير من السدود بمختلف مناطق المملكة، إلى جانب تطوير مشاريع تحويل المياه بين الأحواض المائية وربط المناطق التي تعرف خصاصا مائيا بالمناطق التي تتوفر على موارد أكبر.

كما أورد حنفي أن المغرب عزز خلال السنوات الأخيرة استثماراته في مجال تحلية مياه البحر، خاصة على مستوى السواحل الشمالية والغربية، في إطار استراتيجية ترمي إلى دعم الأمن المائي وضمان استدامة الموارد الضرورية للأنشطة الاقتصادية والفلاحية، بما يحد من تأثير التقلبات المناخية على المنظومة الإنتاجية الوطنية.

ومن جهة أخرى، شدد مؤسس منصة Geopolitique على أن المغرب يتأثر، شأنه شأن العديد من الدول المستوردة، بالأزمات والتوترات الدولية التي تنعكس على الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد. 

ولفت إلى أن الحرب الروسية الأوكرانية كان لها تأثير مباشر على أسواق الحبوب العالمية، بالنظر إلى أن البلدين يساهمان بما يقارب ثلث الإنتاج العالمي من هذه المواد الأساسية، وهو ما أدى إلى اضطرابات في الإمدادات وارتفاعات في الأسعار طالت العديد من الدول، من بينها المغرب.

الأسمدة والأمن الغذائي

وفي السياق ذاته، أشار حنفي إلى أن الأزمة الأخيرة بمنطقة الخليج ألقت بظلالها أيضاً على المملكة، خاصة في ما يتعلق بالتزود بالكبريت والأمونياك المستوردين من الشرق الأوسط، وهما مادتان أساسيتان تدخلان في صناعة الأسمدة. 

وأفاد بأن أهمية هاتين المادتين تنبع من الدور المحوري الذي تضطلع به الأسمدة في دعم الإنتاج الفلاحي وضمان استمرارية النشاط الزراعي بالمملكة.

وأكد الخبير الجيوسياسي أن المغرب يواصل منح أهمية كبيرة لمسألة السيادة الغذائية باعتبارها عاملا أساسياً في الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. 

وأضاف أن تعزيز القدرة على تأمين الاحتياجات الغذائية الوطنية بات يشكل أحد الرهانات الاستراتيجية الكبرى في ظل تزايد حالة عدم اليقين التي تطبع النظام الدولي.

وفي ختام تصريحه، أوضح زكرياء حنفي أن صندوق المقاصة يظل إحدى الآليات المهمة التي تعتمدها السلطات العمومية للمساهمة في الحفاظ على توازن الأسعار والتخفيف من آثار التقلبات الخارجية، لا سيما بالنسبة للمواد الأساسية الأكثر استهلاكاً من طرف المواطنين، بما يساهم في استقرار السوق الداخلية وحماية القدرة الشرائية للأسر المغربية.