كيف نجح المغرب في استقطاب الاستثمارات الأجنبية وسط منافسة إقليمية متزايدة؟

ملفات خاصة - 01-06-2026

كيف نجح المغرب في استقطاب الاستثمارات الأجنبية وسط منافسة إقليمية متزايدة؟

اقتصادكم - أسامة الداودي

رغم الظرفية الإقليمية والدولية المتقلبة، نجح المغرب خلال السنوات الأخيرة في تعزيز جاذبيته الاستثمارية واستقطاب مشاريع أجنبية جديدة، مستفيدا من موقعه الاستراتيجي واستقراره السياسي وبنياته التحتية. 

غير أن هذا المسار لا يخلو من تحديات مرتبطة بالبيروقراطية وفعالية مناخ الأعمال، وهو ما يثير نقاشا متواصلا حول مكامن القوة ونقاط الضعف في النموذج الاستثماري المغربي.

المغرب وجهة المستثمرين المفضلة

وفي هذا الصدد، أكد الأستاذ الباحث بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية التابعة لجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، ومدير المختبر متعدد التخصصات للبحث في الاقتصاد والمالية وتدبير المنظمات، عبد الرزاق الهيري، أن المغرب نجح خلال السنوات الأخيرة في تحقيق تحول ملحوظ على مستوى استقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، مستندا إلى مؤشرات دولية تعكس تنامي جاذبية المملكة لدى المستثمرين الأجانب. 

وأورد عبد الرزاق الهيري، في تصريح لموقع "اقتصادكم"، أن تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية لسنة 2025 أظهر أن المغرب استقطب استثمارات أجنبية مباشرة بقيمة 1.6 مليار دولار خلال سنة 2024، بزيادة بلغت 55 في المائة مقارنة بسنة 2023، فيما ارتفع الرصيد التراكمي لهذه الاستثمارات إلى 61.5 مليار دولار مع نهاية السنة نفسها.

وأبرز الهيري أن أهمية هذه النتائج تتجلى بشكل أكبر عند مقارنتها بالسياق الإقليمي المحيط بالمغرب، حيث تواجه عدة دول في المنطقة المغاربية والساحلية تحديات مرتبطة بعدم الاستقرار السياسي وما يرافقه من انعكاسات سلبية على جاذبية الاستثمار وفرص النمو الاقتصادي. 

كما اعتبر أن قدرة المغرب على تحقيق هذه الأرقام في بيئة إقليمية مضطربة تعكس متانة موقعه الاقتصادي وقدرته على تعزيز ثقة المستثمرين الدوليين.

لماذا يختار المستثمرون المغرب؟

وأشار الأستاذ الجامعي إلى أن الموقع الجغرافي للمغرب يعد من أبرز عناصر الجاذبية الاستثمارية، بالنظر إلى قربه من أوروبا التي لا تفصله عنها سوى 14 كيلومتراً، ما يمنحه موقعا استراتيجيا يجعله منصة إنتاج وتصدير تنافسية عند ملتقى أوروبا وإفريقيا والعالم العربي. 

وأضاف أن هذه الميزة تتعزز بقدرة المملكة على توفير شروط تنافسية في مجال التصدير، وهو ما ساهم في تحسين تموقعها ضمن سلاسل التجارة الدولية.

كما أوضح المتحدث ذاته أن الاستقرار السياسي والمؤسساتي الذي تنعم به المملكة يشكل عاملا حاسما في استقطاب المستثمرين، خاصة بالنسبة إلى الشركات العالمية الكبرى التي تبحث عن بيئات مستقرة وقابلة للتنبؤ. 

وأكد أن هذا الاستقرار ساهم في ترسيخ صورة المغرب كوجهة موثوقة للاستثمار على المستويين الإفريقي والمتوسطي.

وذكر مدير المختبر متعدد التخصصات للبحث في الاقتصاد والمالية وتدبير المنظمات أن شبكة اتفاقيات التبادل الحر التي تربط المغرب بعدد من الشركاء الدوليين تمنح المستثمرين مزايا إضافية، إذ تتيح لهم الولوج إلى أسواق واسعة تشمل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وعدداً من الدول العربية والإفريقية. 

وأوضح أن هذه الاتفاقيات ترفع من جاذبية الاستثمار الإنتاجي داخل المغرب وتوسع فرص التصدير نحو أسواق متعددة.

الصين تراهن على المغرب

ولفت عبدالرزاق الهيري إلى الاهتمام المتزايد الذي يبديه المستثمرون الصينيون تجاه السوق المغربية، موضحا أنهم ارتقوا إلى المرتبة الثالثة ضمن أكبر المستثمرين الأجانب بالمملكة خلال سنة 2024. واعتبر أن هذا التطور يعكس تنامي مكانة المغرب داخل الاستراتيجيات الاستثمارية الدولية، خاصة في القطاعات الصناعية واللوجستية الموجهة نحو التصدير.

وفي المقابل، شدد الباحث الاقتصادي على أن صورة الجاذبية الاستثمارية بالمغرب لا تخلو من تحديات واختلالات هيكلية ما تزال تحد من الدينامية الاستثمارية بالشكل المطلوب. 

وزار موضحا أن عدداً من التقارير المتخصصة رصد استمرار صعوبات مرتبطة بمناخ الأعمال، من بينها تعقيد الإجراءات الإدارية وتعدد المتدخلين وغموض بعض النصوص القانونية.

وأضاف أن معطيات صادرة عن مركز الاستشراف الاقتصادي والاجتماعي أظهرت أن 65 في المائة من المقاولات تعتبر المساطر الإدارية أكبر عائق أمام الاستثمار، إلى جانب طول آجال معالجة النزاعات العقارية والتجارية وتأخر تنفيذ الأحكام القضائية، وهي عوامل تساهم في إضعاف ثقة المستثمرين وتؤثر على جاذبية البيئة الاقتصادية.

واسترسل الهيري قائلاً إن ضعف الاستثمار الخاص المحلي يظل المؤشر الأكثر دلالة على وجود إشكال بنيوي داخل الاقتصاد الوطني، مضيفا أنه رغم المجهودات الكبيرة التي بُذلت في مجال البنيات التحتية، فإن مساهمة القطاع الخاص في الاستثمار ما تزال دون المستوى المأمول. 

وأكد أن المرحلة الحالية تتطلب تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني وتحفيز المبادرة الخاصة وتقوية الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

إصلاحات مطلوبة لإنعاش الاستثمار

كما أورد المتحدث عينه أن تقريرا حديثاً للبنك الدولي خلص إلى أن الاقتصاد المغربي يواجه تحديين رئيسيين يتمثلان في ضعف دينامية القطاع الخاص وعدم قدرة سوق الشغل على استيعاب اليد العاملة بالوتيرة المطلوبة. 

وأضاف أن التقرير دعا إلى إطلاق إصلاحات هيكلية من شأنها رفع الإنتاجية وتعزيز مساهمة القطاع الخاص في خلق الثروة وفرص الشغل.

وفيما يتعلق بآفاق الاستثمار بالمغرب، أكد عبدالرزاق الهيري أن نجاح المملكة في استقطاب الرساميل الأجنبية لن يحقق أهدافه التنموية الكاملة ما لم يواكبه إصلاح عميق للمنظومة الداخلية. 

وصرح بأن القضاء على البيروقراطية وتعزيز الثقة في مناخ الأعمال وتحسين فعالية المؤسسات يشكل شروطاً أساسية لتحويل الاستثمارات إلى رافعة حقيقية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وختم الأستاذ الباحث تصريحه بالتأكيد على أهمية ربط الاستثمار بالبحث العلمي والابتكار من أجل رفع القيمة المضافة للاقتصاد الوطني، خاصة في القطاعات الواعدة مثل الطاقات المتجددة والفلاحة الذكية، معتبرا أن التنافسية الحقيقية لا تقاس فقط بحجم الاستثمارات الأجنبية المستقطبة، بل بقدرة الاقتصاد الوطني على إنتاج الثروة من الداخل وتوزيعها بشكل عادل ومستدام.