اقتصادكم - أسامة الداودي
تشهد أسواق الطاقة العالمية إعادة تسعير واضحة للمخاطر الجيوسياسية، في ظل تصاعد التوترات في منطقة الخليج، بما يعزز علاوة المخاطر في السوق ويدفع الأسعار نحو مزيد من عدم الاستقرار.
ويكتسي هذا الوضع أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، باعتباره اقتصادا يعتمد بشكل كبير على الواردات الطاقية، ما يجعله أكثر عرضة لتقلبات الأسواق وانعكاساتها على مختلف التوازنات الاقتصادية.
وفي حوار خصت به موقع "اقتصادكم"، أكدت جيسيكا عبيد، الشريكة المؤسسة بـ“نيو إنرجي كونسلت”، أن أسواق الطاقة تعيش مرحلة اختلالات عميقة مدفوعة بمخاطر مضيق هرمز، ما يرفع الأسعار ويزيد تقلبها، مبرزة أن المغرب يظل الأكثر تأثرا، في ظل الضغط على الواردات والتضخم، والحاجة لتسريع الانتقال الطاقي.
وفي ما يلي نص الحوار:
في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية المرتبطة بإيران، وتزايد المخاوف بشأن أمن الإمدادات في منطقة الخليج ومضيق هرمز، كيف يمكن أن تؤثر هذه التطورات في توازن أسواق الطاقة العالمية ومستويات الأسعار على المدى القريب؟
نعيش اليوم وضعا غير مسبوق، حيث لم تعد أزمة الطاقة مجرد اضطراب ظرفي قصير الأمد في الإمدادات، بل أصبحت أقرب إلى أزمة ذات أبعاد هيكلية محتملة ناجمة عن عاملين متزامنين: أولًا، مخاطر تعطل شحنات الوقود عبر مضيق هرمز، وثانيًا، التهديدات التي تطال البنية التحتية الطاقية المركزة في دول الخليج.
وعليه، يتمثل الأثر في علاوة مخاطر تضاف إلى احتمال دخول سوق النفط في حالة شح.
ولا يزال مضيق هرمز أحد أهم الممرات الاستراتيجية للطاقة في العالم، إذ يمر عبره ما بين 20 و30% من النفط العالمي، وحوالي 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال، في ظل محدودية المسارات البديلة التي لا تستطيع، في أفضل الأحوال، سوى تجاوز ربع كميات النفط العابرة للمضيق.
وقد عكست ردود فعل الأسواق هذا الواقع، إذ قفز سعر خام برنت بشكل حاد وارتفع نشاط التداول مع شروع المشترين في تسعير مخاطر التعطل وعلاوات المخاطر.
وتبقى الإشكالية الأساسية مرتبطة بمدة استمرار هذا النزاع. فإذا استمرت التوترات، ستجد الأسواق نفسها مضطرة إلى امتصاص صدمة أكثر عمقًا ترتبط بانعدام أمن الشحن، والأضرار التي قد تلحق بالبنية التحتية، وتراجع القدرة الإنتاجية الفعلية والفائضة لدى منتجي الخليج.
وفي هذا السياق، قد لا تعود أسعار النفط بسهولة إلى مستوياتها السابقة مباشرة بعد انتهاء الحرب، بل ستمتد التداعيات إلى الغاز الطبيعي المسال والبتروكيماويات والتضخم وسلاسل الإمداد الصناعية، خاصة في آسيا وأوروبا.
وبناء على ذلك، أصبحت الأسعار المرتفعة والمتقلبة هي السيناريو المرجح ما دامت مخاطر التصعيد قائمة دون حسم.
كما أن انتقال السوق العالمية إلى اختلال أكثر حدة سيعتمد أساسًا على عامل الزمن: فأزمة قصيرة الأمد قد يمكن التخفيف من آثارها جزئيا عبر المخزونات وإعادة توجيه الشحنات وتراجع الطلب، أما إذا طال أمد النزاع، فسيكشف ذلك مدى اعتماد النظام الطاقي العالمي على بنية تحتية مركزة في الخليج.
ويبرز هذا النزاع، في المحصلة، هشاشة الأسواق العالمية ويحمل تداعيات على الاقتصاد العالمي ككل.
يعتمد المغرب بشكل كبير على واردات الطاقة من الأسواق الدولية، وفيدحال استمرار التوترات وارتفاع الأسعار، فما أبرز التداعيات المحتملة على الاقتصاد المغربي، خصوصًا من حيث الفاتورة الطاقية والتضخم والمالية العمومية؟
إن اعتماد المغرب الكبير على واردات الوقود يجعل من ارتفاع أسعار النفط صدمة مباشرة على مستوى الاقتصاد الكلي، إذ سيؤدي ذلك إلى اتساع العجز التجاري، والضغط على القطاعات الرئيسية، وارتفاع الكلفة الوطنية للطاقة.
وإذا استمر النزاع، فسيواجه البلد تحديا ثلاثيا يتمثل في ارتفاع التضخم، وتزايد الضغط على المالية العمومية، وتراجع القدرة الشرائية على امتداد الاقتصاد بأكمله.
فالدول المستوردة الصافية للطاقة، مثل المغرب، تواجه أصلًا ارتفاعًا في فاتورة استيراد الوقود، وهو ما سينعكس سلبًا على الاقتصاد الوطني وعلى القدرة الشرائية للأسر.
ولا يزال المغرب يعتمد بشكل كبير على الواردات لتلبية الجزء الأكبر من حاجياته الطاقية، وهو ما يشكل أحد أبرز مكامن الهشاشة على مستوى الاقتصاد الكلي.
وبالتالي، يبقى البلد معرضًا بشكل مباشر لارتفاع أسعار النفط.
وبما أن النزاع قد دفع الأسعار فعلًا إلى مستويات أعلى، فإن المغرب سيجد نفسه أمام فاتورة طاقية أكبر، وضغط إضافي على الميزان التجاري، وإجهاد أشد على القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل النقل والصناعة وإنتاج الكهرباء.
ولن يقتصر الأثر على هذه القطاعات فقط، بل سيمتد إلى الاقتصاد ككل، فارتفاع كلفة استيراد الوقود سيتحول إلى عامل يغذي التضخم ويقيد الميزانيات العمومية.
كما أن ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء ينعكس على أسعار الغذاء والخدمات اللوجستية والتصنيع والخدمات، أي على مختلف مفاصل الاقتصاد تقريبًا.
وهذا من شأنه أن يرفع كلفة المعيشة، ويضعف القدرة الشرائية وتنافسية المقاولات، ويزيد الضغط على المالية العمومية.
ورغم أن المغرب قلص بعض الاختلالات المالية المرتبطة بأنظمة الدعم السابقة، فإن استمرار التوترات سيجعل التحدي الأكبر هو تدبير ثلاثية معقدة: تضخم أعلى، وفاتورة واردات أكبر، وهوامش أضيق للتحرك المالي.