السفر الداخلي في مواجهة حرارة الأسعار وتراجع الإنفاق.. إلى أين؟

ملفات خاصة - 18-05-2026

السفر الداخلي في مواجهة حرارة الأسعار وتراجع الإنفاق.. إلى أين؟

اقتصادكم - أسامة الداودي

رغم الأداء الإيجابي الذي يواصل القطاع السياحي المغربي تسجيله خلال السنوات الأخيرة، فإن ارتفاع تكاليف الإقامة والنقل والخدمات الترفيهية بات يثير تساؤلات بشأن موقع السائح المغربي داخل المنظومة السياحية الوطنية.

وفي هذا السياق، أكد الخبير في المجال السياحي، الزبير بوحوت، أن ارتفاع الأسعار بدأ يؤثر بشكل واضح على قدرة المغاربة على الاستهلاك السياحي داخل بلدهم، في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة خلال السنوات الأخيرة، معتبرا أن "السياحة الداخلية، التي شكلت لسنوات ركيزة أساسية لاستقرار القطاع السياحي الوطني، بدأت تفقد تدريجيا جزءا من وزنها داخل المنظومة السياحية المغربية".

التضخم يرهق السياحة

وأوضح بوحوت، في تصريح لموقع "اقتصادكم"، أن المعطيات الرسمية تعكس هذا التراجع، بعدما انتقلت مساهمة السياحة الداخلية في النشاط السياحي الإجمالي من حوالي 33 في المائة سنة 2019 إلى نحو 28 في المائة سنة 2025، وهو ما يعكس، بحسبه، اتساع الفجوة بين التطور الذي تعرفه السياحة الدولية بالمغرب وبين قدرة المواطن المغربي على الاستفادة من المنتوج السياحي الوطني.

وأورد الخبير في المجال السياحي أن هذا الوضع يرتبط بعدة عوامل متداخلة، من بينها موجة التضخم التي شهدها المغرب خلال السنوات الأخيرة، والتي طالت أسعار المواد الغذائية والطاقة والنقل والخدمات، وهو ما انعكس بشكل مباشر على ميزانية الأسر المغربية، وقلّص حجم الإنفاق الموجه للترفيه والعطل والسفر الداخلي.

وأضاف المتحدث ذاته أن تكاليف الخدمات السياحية عرفت بدورها ارتفاعا ملحوظا نتيجة زيادة مصاريف التشغيل، بما يشمل الطاقة والتجهيزات والمواد الغذائية والنقل والصيانة والرقمنة والتجديد الفندقي، ذاكراً أن هذه التكاليف انعكست تدريجيا على أسعار الإقامة والخدمات السياحية داخل مختلف الوجهات الوطنية.

وشدد الزبير بوحوت على أن السياحة الداخلية تظل ذات أهمية استراتيجية بالنسبة للمغرب، بالنظر إلى دورها في الحفاظ على توازن واستقرار القطاع، خصوصا خلال فترات الأزمات الدولية أو عند تراجع الطلب الخارجي، مؤكدا أنها تساهم كذلك في تنشيط الوجهات السياحية خارج مواسم الذروة، وتساعد على توزيع العائدات السياحية بشكل أكثر انتظاما على مدار السنة.

حلول لمواجهة الغلاء

وفي حديثه عن الحلول الممكنة، أبرز الخبير السياحي أن المغرب سبق أن أطلق ضمن رؤية 2020 برنامج “بلادي”، الذي كان يهدف إلى تشجيع الأسر المغربية على السفر داخل المملكة، من خلال إحداث محطات سياحية موجهة أساسا للطبقة المتوسطة، مع توفير خدمات وأسعار تراعي القدرة الشرائية للمواطنين.

واسترسل قائلا إن البرنامج كان يستهدف إنشاء ثماني محطات سياحية بمختلف جهات المملكة، غير أن ثلاث محطات فقط تم إنجازها، في حين تعثرت المشاريع الأخرى بسبب إكراهات مرتبطة بالعقار والتمويل وضعف جاذبية بعض المواقع للاستثمار، معتبرا أنه رغم محدودية النتائج، فإن البرنامج شكل أول محاولة واضحة لإدماج السياحة الداخلية ضمن التخطيط السياحي الوطني.

كما أفاد المتحدث عينه بأن النقاش يطرح اليوم إمكانية اعتماد “شيكات السفر” كآلية لدعم السياحة الداخلية، على غرار عدد من الدول الأوروبية، حيث تستفيد الأسر والأجراء من مساهمات مخصصة للنفقات السياحية والترفيهية، معتبراً أن مثل هذه المبادرات يمكن أن تساهم في توسيع قاعدة المستفيدين من السياحة الوطنية.

ولفت الخبير في المجال السياحي إلى أن هذه الآليات من شأنها أيضا تشجيع السفر خلال الفترات خارج الموسم السياحي، ودعم المقاولات السياحية المحلية، بما يساعد على تحقيق نوع من التوازن داخل القطاع وتقليص التأثير الموسمي على الأنشطة السياحية.

تنويع العرض السياحي

وفيما يخص تطوير السياحة الداخلية، أكد بوحوت أن الأمر يظل مرتبطاً بضرورة تنويع العرض السياحي، عبر توفير منتجات تستجيب لمختلف الفئات الاجتماعية، من قبيل الإقامات القصيرة، والعروض العائلية، والسياحة القروية، والسياحة البيئية، والإقامات المتوسطة التكلفة، إلى جانب تحسين خدمات النقل الجوي والبري الداخلي لتقليص كلفة التنقل بين الجهات.

وزاد موضحا أن الرهان الحقيقي اليوم يتمثل في بناء نموذج سياحي أكثر توازنا، يجعل المواطن المغربي شريكا أساسيا في التنمية السياحية، وليس مجرد مستهلك موسمي محدود القدرة على الاستفادة من الوجهات السياحية الوطنية.