اقتصادكم- عبد الصمد واحمودو
يعد قطاع التأمين من أبرز القطاعات المالية الحيوية التي تشهد تطورا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى الأداء أو من حيث التحولات التنظيمية والتشريعية والرقمية التي يعرفها. وانطلاقاً من ذلك، حاولنا من خلال هذا الحوار المقتضب مع يوسف بونوال، الخبير في مجال التأمينات، الإحاطة بأهم النقاط البارزة المرتبطة بقطاع التأمين، مع الأخذ بعين الاعتبار راهنية المستجدات.
ويتناول هذا الحوار، أبرز ملامح نمو القطاع من حيث رقم المعاملات ومعدلات الانتشار، مقابل التحديات المرتبطة بضعف الثقافة التأمينية وارتفاع الكلفة والحاجة إلى توسيع قاعدة المستفيدين. كما يقف الحوار عند الدينامية التشريعية التي يعرفها المجال، وما يرتقب من إصلاحات تهدف إلى تعزيز حماية المؤمن لهم وتحديث الإطار القانوني المنظم للقطاع.
كما سلط موقع "اقتصادكم" من خلال هذا الحوار الضوء كذلك، على دور قطاع التأمين كشريك أساسي في مواكبة المشاريع الكبرى للبنية التحتية، ودعم الاستثمارات الوطنية داخل المغرب وخارجه، خصوصا في القارة الإفريقية. كما يبرز أهمية التحول الرقمي والتكنولوجي، وما يتيحه من فرص لتطوير الخدمات وابتكار منتجات تأمينية جديدة، بما يعزز مساهمة القطاع في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمملكة.
كيف تقيمون، وضعية هذا القطاع في المغرب اليوم، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية الراهنة وارتفاع كلفة المعيشة؟
يمكن القول إن قطاع التأمين بالمغرب يعد من القطاعات المهمة التي تشهد انتعاشة قوية، سواء على مستوى رقم المعاملات أو من حيث نسب النمو. فقد بلغ رقم معاملات القطاع خلال سنة 2025 حوالي 64 مليار درهم، مسجلاً نسبة نمو تناهز 8 في المائة.
ويعكس هذا الأداء الدينامية التي يعرفها قطاع التأمين بمختلف فروعه، مقارنة بعدد من الأسواق الإفريقية الأخرى. ورغم ذلك، فإن معدل انتشار التأمين مقارنة بالناتج الداخلي الخام لم يصل بعد إلى المستوى المنشود، إذ لا تتجاوز هذه النسبة 2 في المائة، في حين يُطمح إلى بلوغ مستويات تتراوح بين 5 و6 في المائة، ما يؤكد وجود آفاق نمو مهمة أمام القطاع.
كما يلاحظ أن التأمينات الإلزامية تظل الأكثر مساهمة في رقم معاملات السوق، خاصة التأمين على السيارات، والتأمين ضد حوادث الشغل، إضافة إلى التأمينات المرتبطة بالتمويلات البنكية.
أما على مستوى التكلفة، فتظل أقساط التأمين مرتفعة نسبيا مقارنة بمستوى دخل ومعيشة شريحة واسعة من المغاربة، وهو ما يشكل أحد التحديات المطروحة أمام توسيع قاعدة المستفيدين من خدمات التأمين بالمغرب.
هل عرف إقبال المغاربة على خدمات التأمين تطورا ملموسا خلال السنوات الأخيرة، أم أن الثقافة التأمينية لا تزال محدودة، بالنظر إلى ضعف تغطية التأمين على المنازل والمحلات التجارية وغيرها من الممتلكات؟
إن قطاع التأمين يحقق رقم معاملات مهم، غير أن هناك عدة عوامل لا تساعد على تطويره بشكل أكبر. ومن أبرز هذه العوامل ضعف الثقافة التأمينية لدى جزء من المغاربة، وليس غيابها التام، لكنها تبقى محدودة مقارنة بما هو مطلوب.
العامل الثاني يتمثل في أن تكلفة التأمين تعد مرتفعة نسبيا مقارنة بمستوى الدخل، وهو ما يشكل عائقا أمام توسيع قاعدة المستفيدين. كما توجد أيضا عوامل مرتبطة بالعادات والتقاليد، حيث إن عقود التأمين لا تزال تُقابل ببعض التحفظ لدى فئات من المجتمع.
وفي هذا السياق، يبرز دور الفاعلين في القطاع في تعزيز الحملات التحسيسية والتوعوية، إضافة إلى العمل على جعل أقساط التأمين في متناول المستهلكين، بما يساهم في تحقيق ما يمكن تسميته بـ“دمقرطة الولوج إلى الخدمات التأمينية”.
كما يرتبط تطور القطاع بعامل تشريعي مهم، يتمثل في ضرورة توسيع نطاق التأمينات الإلزامية، من خلال اعتماد بعض الأنواع بشكل إجباري، مثل التأمين على المنازل والتأمين على المسؤولية المدنية لرب الأسرة، على غرار ما هو معمول به في تأمين حوادث الشغل، والتأمين المتعدد الأخطار في الأوراش، والتأمين على المسؤولية المدنية العشرية في قطاع البناء، في انتظار استكمال الأطر القانونية والتنظيمية لتفعيل هذا التوجه بشكل شامل.
ما هي أبرز التحديات التي تواجه قطاع التأمين في المغرب، سواء على مستوى الرقمنة، أو حدة المنافسة بين الفاعلين، أو تدبير وتعويض حوادث السير والكوارث الطبيعية؟
قطاع التأمين بالمغرب يعيش خلال السنوات الخمس الأخيرة، ومن المتوقع أن يعرف خلال السنوات الخمس القادمة طفرة مهمة على مختلف المستويات، سواء التنظيمية أو التشريعية. ويأتي ذلك في إطار مجموعة من الإصلاحات المرتبطة بالقانون رقم 17.99 المتعلق بمدونة التأمينات، ولا سيما من خلال تفعيل مقتضيات الباب الرابع من هذا القانون. كما يُطرح أيضاً التفكير في إضافة “الكتاب الخامس” إلى مدونة التأمينات، والذي سيُخصص لحماية المؤمن له وتعزيز حقوق المستهلك.
ومن جهة أخرى، هناك مشروع سيُشرع في تنزيله قريباً يتعلق برقمنة بوالص التأمين، خصوصا في ما يخص التأمين على السيارات، حيث من المرتقب ابتداء من شهر يوليوز المقبل إدخال تغييرات مهمة على وثيقة التأمين الخاصة بالمركبات.
كما تم تعديل بعض مقتضيات الظهير الشريف لسنة 1984 المتعلق بتعويض ضحايا حوادث السير، وهو ما أدى إلى رفع بعض محددات التعويضات، الأمر الذي سينعكس بشكل مباشر على أقساط التأمين الخاصة بالمسؤولية المدنية للمركبات. وقد كان قد أُعلن في وقت سابق عن إمكانية زيادة هذه الأقساط بنسبة 5 في المائة، قبل أن يتم التراجع عن هذا القرار.
هذا الوضع قد يفتح المجال أمام تعزيز المنافسة داخل سوق التأمين، خاصة فيما يتعلق بتحديد أسعار التأمين على المسؤولية المدنية للسيارات، مما يطرح تساؤلاً حول ما إذا كانت شركات التأمين ستعتمد مبدأ المنافسة في تحديد الأسعار بشكل أكبر، أم ستظل هناك مرجعيات موحدة تضبط تسعير هذه المنتجات.
كيف يتفاعل قطاع التأمين مع الأوراش الكبرى التي يشهدها المغرب، مثل مشاريع البنيات التحتية، والصناعة، وقطاع السيارات، وقطاع الطاقة؟
يشهد المغرب خلال السنوات الأخيرة طفرة مهمة في مجال البنيات التحتية، في إطار مشروع استراتيجي يهدف إلى بناء “المغرب الصاعد”. ويشمل هذا التحول إنجاز مجموعة من المشاريع الكبرى، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي، من بينها الميناء الأطلسي بالداخلة وميناء الناظور، إضافة إلى أوراش كبرى مرتبطة بالتحضير لتنظيم مونديال 2030.
ويعتبر قطاع التأمين شريكا أساسيا في هذا المسار التنموي، إذ إن مختلف هذه المشاريع والبنيات التحتية الكبرى تكون معنية بعقود التأمين، بهدف ضمان سلامة المشاريع وتأمين استمرارية تمويلها وحمايتها من المخاطر المحتملة.
كما ينتظر من قطاع التأمين أن يواكب هذا التطور من خلال تقديم عروض وعقود تأمينية ملائمة، تتماشى مع حجم وتعقيد هذه المشاريع، بما يساهم في دعم الدينامية التنموية التي يشهدها المغرب، وترسيخ أسس اقتصاد قائم على بنية تحتية قوية ومستدامة.
إلى أي حد تعتمد شركات التأمين المغربية على الرقمنة والذكاء الاصطناعي في تطوير خدماتها وتحسين تجربة الزبناء وتسريع معالجة الملفات؟
إضافة إلى ذلك، يعد قطاع التأمين ملزما بمواكبة التحول الذي تعرفه المقاولات المغربية التي بدأت تستثمر خارج المغرب، خصوصا في الدول الإفريقية. فهذه الشركات تحتاج إلى تغطية تأمينية تتماشى مع أنشطتها واستثماراتها في الخارج، مما يفرض على قطاع التأمين الوطني تطوير خدماته في هذا الاتجاه.
وفي هذا السياق، يصبح القطاع مدعوا إلى خلق تكتلات وشراكات مع شركات تأمين إفريقية، أو البحث عن سبل لتعزيز حضوره في هذه الأسواق، بما يتيح له تقديم خدمات تأمينية موجهة للمقاولات المغربية المستثمرة خارج أرض الوطن، ويعزز في الوقت نفسه إشعاعه الإقليمي والدولي.
في ظل توالي الظواهر المناخية القاسية، مثل الجفاف والفيضانات وبعض الكوارث الطبيعية، إلى أي حد يعتبر المغرب مستعدا على مستوى منظومة التأمين لمواجهة هذه المخاطر؟
الخلاصة التي يمكن استخلاصها هي أن قطاع التأمين بالمغرب يُعد قطاعا حيويا وواعدا، ويساهم بشكل مهم في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.
وأمام التحديات والآفاق المستقبلية، يظل الفاعلون في القطاع، إلى جانب المشرع، مدعوين إلى وضع استراتيجية شاملة تواكب هذه التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يعرفها المغرب، بهدف جعل قطاع التأمين رافعة حقيقية للتنمية.
ما هي الآفاق المستقبلية لقطاع التأمين في المغرب؟ وما هي أبرز المجالات التي يتوقع أن تعرف نموا كبيرا خلال السنوات المقبلة؟
بالنسبة للسؤال الأخير المتعلق بالحلول التكنولوجية، فإن قطاع التأمين، كباقي القطاعات المالية بالمغرب، مدعو بل وملزم بالانخراط في التحول الرقمي والتكنولوجي. ويشمل ذلك اعتماد التكنولوجيات الحديثة سواء على مستوى تدبير عقود التأمين أو على مستوى تسوية ملفات وحوادث التأمين.
ويبرز في هذا السياق استخدام الذكاء الاصطناعي والأنظمة المعلوماتية المتطورة، وهو ما من شأنه أن يساهم في تحسين الكفاءة وتوفير الوقت بالنسبة لشركات التأمين، إضافة إلى تمكينها من تقديم خدمات ذات جودة أعلى لفائدة المؤمن لهم.
كيف تقيمون واقع الاستثمار في قطاع التأمين بالمغرب، وما هي الفرص المتاحة أمام الفاعلين والمستثمرين في هذا المجال؟
إضافة إلى ذلك، فإن هذا التحول الرقمي والتكنولوجي سيساهم في خلق منتجات تأمينية جديدة تواكب هذا التطور، مثل التأمين ضد الهجمات السيبرانية، والتأمين المرتبط بالمنصات الرقمية ووسائل التجارة الإلكترونية.
ومن شأن هذه المستجدات أن تمنح دفعة قوية لقطاع التأمين، وتعزز دوره في المساهمة بشكل أكبر في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.