محمد عبد النباوي: الصحافة مهنة نبيلة ومهنة الشرف واستحقت أن تحمل لقب السلطة الرابعة

آخر الأخبار - 07-06-2022

محمد عبد النباوي: الصحافة مهنة نبيلة ومهنة الشرف واستحقت أن تحمل لقب السلطة الرابعة

اقتصادكم 

وصف محمد عبد النباوي، الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، مهنة الصحافة بـ"المهنة النبيلة، وبمهنة الشرف، التي استحقت أن تحمل لقب السلطة الرابعة في العرف المجتمعي، فالصِّحافي هو تبعا لذلك، مطوّق بالتزامات قانونية والتزامات أخلاقية، تجعل حريتَه رقيباً عليه، والمسؤوليةَ مناطاً لمهنته."

 

جاء ذلك، خلال كلمته الافتتاحية، بمناسبة الندوة الدولية المنظمة بشراكة مع منظمة اليونسكو في موضوع: "دور القضاء في تعزيز حرية التعبير بالمنطقة العربية"، التي نظمت يومه الثلاثاء بالرباط، والتي حضرها العديد من سفراء وممثلي السلك الدبلوماسي للعديد من الدول، فضلا عن حضور العديد من الشخصيات الرسمية، من الجسم القضائي، والإعلامي والصحفي، ومن المجتمع المدني..

 

في بداية عرضه، تطرق محمد عبد النباوي، إلى المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، التي أولت لحرية الرأي والتعبير مكانة متميزة بين الحقوق والحريات الأساسية المخولة للأفراد والجماعات داخل المجتمعات، والتي نص عليها الدستور المغربي، في فصله 19، كما أن الفصل 25 من الدستور نص على كفالة حرية الفكر والرأي والتعبير بكل أشكالها، وعلى ضمان حرية الإبداع والنشر والعرض في مجالات الأدب والفن والبحث العلمي والتقني، ونص الفصل 28 على ضمان حرية الصحافة، وعدم جواز تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية. وأقر للجميع الحق في التعبير، ونشر الأخبار والأفكار والآراء بكل حرية ومن غير قيد، عدا ما ينص عليه القانون صراحة.

 

وأوضح محمد عبد النباوي، أن القانون الأساسي للمملكة، لم يكتف بإقرار هذه الحريات وضمانها، وإنما أوكل للسلطات العمومية دعمها بالوسائل الملائمة والسعي لتطويرها وتنظيمها بكيفية مستقلة، وعلى أسس ديموقراطية ومهنية وأخلاقية. وأتاح للمواطنين الحق في الحصول على المعلومة الذي لا يَحُدُّ منه سوى ما ينُصّ عليه القانون لحماية الأمن العام والحياة الخَاصة للأفراد وحقوقهم وحرياتَهم المنصُوص عليها في الدستور، في الفصلين 26 و27 من الدستور.

 

 
وإذا كانت حرية الصحافة، يقول محمد عبد النباوي،  لم تَعُدْ مَحَلَّ جِدال في المجتمع اليوم. بل إنها تُعَدُّ أهم صور حرية التعبير ومؤشرها الأساسي، ويتم تصنيفها كسلطة رابعة، فإن النقاش المجتمعي والقانوني والحقوقي ينصرف إلى تحقيق الملاءمة بين حرية الصحافة والرأي والتعبير من جهة، وبين الحقوق الأساسية المخولة للأفراد وللمجتمع بمقتضى المواثيق الدولية لحقوق الإنسان والدساتير المتقدمة، ومن بينها دستور المملكة من جهة أخرى. 

 

ذلك أنه إذا كان من حق الأفراد أن يعبروا عن آرائهم بحرية وبمختلف أشكال التعبير الشفوية أو الكتابية أو غيرها، يضيف عبد النباوي، فإن هذا الحق مقيد بمقتضى المادة 19 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية بواجبات ومسؤوليات خاصة يضعها القانون متى كانت ضرورية لحماية حقوق أو سمعة الأشخاص الآخرين، أو لحماية الأمن الوطني أو النظام العام أو الصحة  أو الأخلاق العامين. ولذلك فإن الدستور المغربي الذي أقر حرية الرأي والتعبير والصحافة قد أوكل للقانون تنظيمها.

 

وإذا كانت حرية الصحافة قد أقرها الدستور ومنع كل مراقبة قبلية على مضمونها، يسترسل عبد النباوي، فإن تنظيم ممارستها بواسطة القانون يستهدف حماية حقوق وحريات الأفراد. والنظام العام بتجلياته الثلاث المتعلقة بالأمن العام والأخلاق العامة والصحة العامة. وقد حدد القانون رقم 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر مدلول "الصحافة" في كونها مهنة جمع الأخبار والمعلومات أو الوقائع. ثم التحري أو الاستقصاء عنْها بطريقة مهنية، من أجل كتابة أو إنجاز مادة إعلامية كيفما كانت وسيلتها والدعامة المستعملة لنشرها المادة2

 

وخلص عبد النباوي، بعد هذا التعريف،  أن مهنة الصحافة هي نشر الأخبار بعد التحري عن صحتها بطريقة مهنية. وزيادة في التأكيد على ذلك، عهد القانون لمدير النشر تحت مسؤوليته الشخصية، بالتحقق من صحة الأخبار والتعاليق أو الصور وغيرها قبل نشرها (المادة 17). وبذلك فالصحافة تعتبر مهنة نبيلة، باعتمادها في نقل الأخبار ونشرها على تحريات وصفها القانون بالمهنية، أي بالجدية والاحترافية، التي تتلافى نشر الإشاعات والأخبار غير المحققة. ومن تَمَّ قيل أن الخبرَ مقدّسٌ والتعليقَ حرٌّ.

 

ولذلك فإن القانون يعاقب على القذف والتشهير والسب، ونشر النبأ الزائف إذا أضر بالنظام العام. لأن مهنة الصحافة ليست هي الإساءة لأعراض الناس والتشهير بهم، ولا اختلاق الأخبار ونشر الإشاعات. كما أن كون الصحافة هي مهنة جمع الأخبار، فإنها تؤهل الصحافي للحصول على الأخبار والمعلومات من مصدرها، إلاَّ ما استثناه القانون من معلومات وأسرار. ولذلك فقد نص الدستور على الحق في الحصول على المعلومة.

 

لئن كانت الصِّحافة، يقول عبد النباوي، تؤدي دورها داخل المجتمع، في نقل الأخبار الصحيحة والكشف عن التصرفات الضارة، والإعلان عن المبادرات الحسنة. كما تشكل سيفاً مسلطاً على المخالفين للقانون بواسطة تحرياتها وتحليلاتها وتعاليقها؛ فإن القضاء يقوم بدور المحافِظ على التوازن بين الحقوق والواجبات. وهو مدعو لحماية الصِّحافة والمحافظة على حريتها، وعلى حقها في الوصول إلى مصادر الخبر وفي حماية مصادره المشروعة. ولكنه يقوم كذلك بحمايةِ حقوقِ الأشخاص وأعراضِهم من بعض التجاوزات التي تتم عن طريق الصِّحافة. وكذلك حماية الأمن والنظام العام من بعض الممارسات الصِّحافية التي تُحرِّض على الجرائم 
أو تُشِيد بها، أو تدعو إلى التمييز والعنصرية، أو تَمَسُّ بالأخلاق العامة، وغيرها من المواضيع التي اعتبرها القانون جرائم.

ويشرح عبد النباوي، أنه إذا كان نجاح الصِّحافة في مهامها يُقاس على أساس صحة الأخبار التي تنشرها، وعلى أساس السَّبْق الصِّحافي في تناول ذلك الخبر. فإن تفوق القضاء في مهامه يقاس على أساس نجاحه في إقامة التوازن بين حقوق الصِّحافيين وحقوق الأغيار الذين يُكوِّنُونَ مادةً صِحافية، وعلى أساس الفعالية والنجاعة في رد الفعل القضائي. ولئن كان يبدو أن مهنةَ القضاء ومهنةَ الصِّحافة متعارضتين، فإن الحقيقة غير ذلك، لأنهما متكاملتان في حماية المجتمع والنظام العام. ولا تسمح إحداهما للأخرى بالتجاوز. وكل واحدةٍ ترصُد سير الأخرى وتمنعه من الزلل والسقوط.

 

فالقاضي – بمقتضى الفصل 117 من الدستور – يقول عبد النباوي، مؤتَمَنٌ على حماية حقوق الأشخاص وحرياتهم وأمنهم القضائي. كما أن الصِّحافي عَيْنُ المجتمع على الأحداث، يبحث عنها ويتحرى بشأنها ويوثقها وينشرها للعلن.كما أن كلا المهنتين تكُون مادةً لأداء الأخرى. فالصِّحافة تتابِعُ أبحاث وأحكام القضاء وتنْقُلها للناس، لتكون لهم أخباراً ذات عِبَر. والقضاءُ يَلتقط بعض الوقائع التي تنشرها الصِّحافة لفتح أبحاث وتحقيقات، قد تنتج عنها محاكماتٍ، تُصبح بدورها مادةً خبَرِية وأحاديثَ ذاتِ عِبَر لمن يعتبر.

 

وأكد عبد النباوي، على أن تعرُّف القضاة على مهام الصِّحافيين، مُفيد لهم في تطبيق المقتضيات القانونية المتعلقة بالصِّحافة. كما أن تعرُّف الصِّحافيين على المهام القضائية مُفيد للإعلاميين في تحليل الإجراءات القضائية والتعليق على الأحكام. ومن هذا الموقف يرحب المجلس بكل المبادرات الجادة للدراسة والتكوين في هذا المجال بالنسبة للقضاة وللصِّحافيين على السواء. وفي هذا السياق تأتي هذه الندوة اليوم والتي نعقدها بشراكة مع اليونسكو، لتنضاف للعديد من الندوات واللقاءات التي تمت سابقاً في هذا المجال، ولتكون حلقة وصلٍ لمتابعةِ هذا المسار الذي انقطع جراء انتشار جائحة كوفيد. ونأمل أن تُسعِف الظروف في المستقبل القريب بمواصلته في ظروف أحسن.