اقتصادكم
مع مواصلة المغرب بلورة استراتيجيته الوطنية منخفضة الكربون وتفعيل المساهمة الوطنية المحددة 3.0 (NDC 3.0)، أي الجيل الثالث من المساهمات الوطنية في إطار اتفاق باريس، تبرز مسألة دور الشركات الكبرى كعنصر محوري في إنجاح الانتقال المناخي. فهذه الشركات، سواء كانت مدرجة أو غير مدرجة، تُعد فاعلًا هيكليًا في الاقتصاد الوطني، وتمتلك قدرة كبيرة على التأثير في سلاسل القيمة التابعة لها، ما يجعلها مطالبة بتحويل التزاماتها المناخية إلى أدوات تشغيلية ملموسة.
في هذا السياق، تقدّم الدراسة المناخية التي أنجزتها Utopies حول 72 شركة مدرجة في بورصة الدار البيضاء، اعتمادا على تقاريرها في مجال البيئة والمسؤولية الاجتماعية والحوكمة (ESG)، قراءة غير مسبوقة لمدى نضج النسيج الاقتصادي المغربي في التعاطي مع القضايا المناخية.
أول ما تكشفه الدراسة هو أن دينامية ESG تشهد تطورًا ملحوظًا، غير أن الممارسات على أرض الواقع ما تزال غير متجانسة. فـأغلبية طفيفة فقط من الشركات التي شملها التحليل تشير إلى إنجاز تحليل الأهمية النسبية (materiality)، رغم كونه عنصرًا أساسيًا في بناء استراتيجية ESG، فضلًا عن كونه مطلبًا تنظيميًا منذ خمس سنوات. ومع ذلك، فإن هذا المعدل يشهد تحسنًا مقارنة بسنة 2020، حين لم تتجاوز نسبة الشركات التي قامت بهذا التمرين ثلث العينة.
وفي مؤشر على النضج والاستباق، ذهبت أربع شركات أبعد من ذلك، عبر إدماج مفهوم الأهمية المزدوجة (double materiality) المنبثق عن التوجيه الأوروبي الجديد CSRD. كما شهدت حوكمة ESG تقدمًا ملحوظًا، إذ إن نحو 60% من الشركات باتت تفصح عن تنظيمها في مجال المسؤولية الاجتماعية، وبعضها أحدث لجانًا متخصصة منبثقة عن مجالس الإدارة.
رغم هذا التقدم، يظل ملف المناخ، كركيزة مستقلة، في مرحلة مبكرة. فحوالي 30% من الشركات المبحوثة صرّحت بإنجاز بصمة كربونية، غير أن نسبة مهمة منها لا توضح لا نطاق القياس ولا نتائجه التفصيلية. ومع ذلك، من المشجّع أن أكثر من 40% من هذه البصمات الكربونية تشمل صراحة النطاق الثالث (Scope 3)، ولو بشكل جزئي في الغالب.
ويهم هذا النطاق الانبعاثات غير المباشرة الناتجة عن مراحل المنبع والمصب في سلسلة القيمة، والمرتبطة مباشرة بالسلع والخدمات التي تشتريها أو تبيعها الشركة، بما يشمل المشتريات، والنقل، والتوزيع، إضافة إلى استخدام المنتجات ونهاية عمرها. غير أن الانتقال من القياس إلى القيادة الفعلية لا يزال محدودًا، إذ إن 12 شركة فقط تعرض أهدافًا رقمية لخفض انبعاثات الغازات الدفيئة، وغالبًا دون تحديد دقيق للنطاقات المعنية.
في المقابل، يبدو نشر سياسة مناخية أكثر انتشارًا، حيث تفصح أكثر من ربع الشركات عن اعتمادها سياسة في هذا المجال، وإن لم تكن دائمًا مدعومة بأهداف واضحة لإزالة الكربون. أما خطط التخفيف التشغيلية فهي أكثر شيوعًا، إذ إن ما يزيد عن 40% من الشركات تبرز إجراءات ملموسة، تتراوح بين الطاقة الشمسية الكهروضوئية، والاقتصاد الدائري، والكتلة الحيوية، وتحسين اللوجستيك، والبناء المستدام.
تعكس هذه المبادرات وعيًا متزايدًا بأهمية التحول المناخي، لكنها تظل في الغالب مجزأة ومحدودة، وغير مدمجة ضمن مسار كمي واضح على المدى المتوسط أو الطويل.
يبقى استشراف المخاطر المناخية الحلقة الأضعف في هذا المسار. إذ إن أربع شركات فقط صرّحت بإنجاز تحليل للمخاطر المناخية، في حين لا تعلن أي شركة عن اعتماد خطة للتكيّف. وفي بلد يواجه تحديات حقيقية مرتبطة بندرة المياه، وتزايد الظواهر المناخية القصوى، والضغط على الموارد الطبيعية، يثير هذا الغياب تساؤلات جدية حول قدرة الشركات على إدماج المناخ باعتباره مخاطر مالية قائمة بذاتها، خاصة وأن التغير المناخي أثّر خلال السنوات الأخيرة على الربحية الفعلية لبعض الفاعلين الاقتصاديين.
في المحصلة، تشخّص Utopies وضعية انتقال منخرطة ولكن غير مكتملة. فالمناخ لم يُدمج بعد بشكل كامل كرهان استراتيجي قابل للقياس، رغم وجود روّاد موثوقين وإشارات إيجابية داخل بورصة الدار البيضاء.
وفي هذا الإطار، تلعب البنوك دورًا محوريًا في تحويل المناخ إلى عنصر من عناصر الأهمية المالية. إذ إن التوجيهات الجديدة الصادرة عن بنك المغرب سنة 2025، والمتعلقة بالإفصاح عن المخاطر المالية المرتبطة بالتغير المناخي وبالتقارير الخاصة بالتعرّضات المناخية لكبار المقترضين، توحي بتصاعد تدريجي في الضغط التنظيمي، من شأنه أن يمتد أثره إلى ما هو أبعد من القطاع البنكي وحده.