اقتصادكم - أسامة الداودي
في ظل توقعات تشير إلى اقتراب التضخم من 2% على المدى المتوسط، يبرز النقاش حول توجه بنك المغرب نحو اعتماد سياسة نقدية محايدة وتوسيع مرونة سعر الصرف، ومدى قدرة هذا الخيار على مواكبة دينامية النمو دون خلق ضغوط اقتصادية مستقبلية.
وعلى صعيد سوق الشغل، يطرح استمرار البطالة رغم تحسن النمو الاقتصادي تساؤلات حول قدرة الاقتصاد المغربي على خلق وظائف مستدامة، وما إذا كان الخلل يرتبط ببنية النمو، أو بأداء القطاع الخاص، أو بفجوة المهارات والرأسمال البشري.
وفي هذا الصدد، قدم الخبير الاقتصادي الدولي الحسن عاشي تعريفا لمفهوم السياسة النقدية المحايدة، موضحا أنها تُوصف كذلك عندما يكون سعر الفائدة الحقيقي قريبًا من مستواه التوازني، أي المستوى الذي لا يفرض تشديدا يقيّد شروط تمويل النشاط الاقتصادي، ولا يوفر في المقابل تيسيرا مفرطا قد يؤدي إلى ضغوط تضخمية أو اختلالات مالية.
فجوة الناتج واستقرار التضخم
وتابع الحسن عاشي، في تصريح خص به موقع "اقتصادكم"، أن السياسة النقدية في هذه الحالة لا تستهدف تحفيز النشاط الاقتصادي بشكل مباشر ولا كبحه، بل تسعى أساسا إلى مواكبة مستوى النشاط القائم، خاصة عندما تكون فجوة الناتج، أي الفارق بين الناتج الفعلي والناتج الممكن، قريبة من الصفر، ويكون التضخم مستقرا حول المستوى المستهدف.
وأبرز الخبير الاقتصادي الدولي أن تقييم المؤسسات الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، يشير إلى أن فجوة الناتج في الاقتصاد المغربي يُتوقع أن تبقى قريبة من الصفر خلال الأفق القريب، في حين يرجح أن يستقر التضخم في حدود 2% على المدى المتوسط، وهو ما يجعل اعتماد موقف نقدي محايد خيارا متماشيا مع المعطيات الاقتصادية الراهنة.
كما عرّف عاشي مفهوم مرونة سعر الصرف، مبرزًا أنها تعني توسيع هامش تقلب الدرهم مقابل العملات الأجنبية، بما يسمح بامتصاص جزء من الصدمات الخارجية، مثل تقلبات أسعار السلع أو تحركات رؤوس الأموال أو تغيرات الطلب الخارجي، عبر آلية السعر بدل تحميل العبء الكامل للاحتياطات من العملة الصعبة أو للسياسة النقدية.
واسترسل قائلا إن التدرج في اعتماد مرونة أكبر لسعر الصرف يُنظر إليه عادة كخطوة تمهيدية نحو اعتماد إطار استهداف التضخم، لأنه يعزز استقلالية السياسة النقدية ويقوي قدرتها على الاستجابة للصدمات الاقتصادية الخارجية بشكل أكثر فعالية.
حدود فعالية السياسة النقدية
كما أورد الحسن عاشي أن توجه بنك المغرب نحو تبني سياسة نقدية محايدة إلى جانب توسيع هامش مرونة سعر الصرف يبدو خيارا ملائما في الظرفية الحالية، لأنه يسمح بمواكبة دينامية النمو الاقتصادي دون خلق ضغوط تضخمية فورية أو اختلالات مالية محتملة.
وشدد الخبير على أن هذا التوجه يساعد كذلك على الحد من مخاطر الإفراط في التيسير النقدي، الذي قد يؤدي في بعض الحالات إلى تغذية اختلالات مالية أو زيادة الضغوط على الحساب الخارجي، خاصة في سياق يتسم بارتفاع المكون الاستيرادي للاستثمار والنمو الاقتصادي في المغرب.
وأوضح أن فعالية هذا التوجه النقدي تبقى مع ذلك مشروطة بحدود بنيوية واضحة، إذ لا يمكن للسياسة النقدية، مهما بلغت دقتها، أن تعالج بمفردها الاختلالات الهيكلية للاقتصاد أو أن تغير طبيعة النمو الاقتصادي بشكل جذري.
وأشار عاشي إلى أن مرونة سعر الصرف، رغم أهميتها في امتصاص الصدمات الخارجية، لا يمكن أن تعوض الحاجة إلى إصلاحات هيكلية عميقة، خصوصًا تلك التي تهدف إلى تقليص كثافة الاستيراد في النمو الاقتصادي وتعزيز القدرة التنافسية غير السعرية للصادرات المغربية.
وأضاف أن قراءة التضخم الرسمي، رغم أهميتها في توجيه السياسة النقدية، لا تعكس دائما بدقة تطور القدرة الشرائية لفئات واسعة من الأسر، نظرًا لاختلاف سلال الاستهلاك بين الفئات الاجتماعية، ولحساسية الأسعار الأساسية مثل الغذاء والنقل والسكن لدى الأسر ذات الدخل المحدود.
بنية النمو وإشكالية التشغيل
وفيما يخص إشكالية التشغيل، اعتبر الحسن عاشي أن التحدي الرئيسي لا يرتبط بعامل واحد فقط، بل يعود إلى تراكب عدة اختلالات، غير أن نقطة الانطلاق الأساسية تكمن في بنية النمو الاقتصادي نفسها ومدى قدرتها على التحول إلى فرص عمل حقيقية ومستدامة.
وذكر الخبير الاقتصادي الدولي أن المعطيات الرقمية تكشف محدودية المسار الحالي للتشغيل، إذ فقد الاقتصاد المغربي نحو 24 ألف وظيفة سنة 2022 وحوالي 157 ألف وظيفة في 2023، قبل أن يتم إحداث نحو 82 ألف منصب شغل في 2024 و193 ألفًا في 2025.
ولفت المتحدث ذاته إلى أن الحصيلة الصافية خلال الفترة الممتدة بين 2022 و2025 لا تتجاوز نحو 94 ألف وظيفة فقط، في وقت ارتفع فيه عدد السكان في سن النشاط بحوالي 1.5 مليون شخص خلال الفترة نفسها، وهو ما يفسر استمرار معدل البطالة عند مستويات تقارب 13%.
وزاد موضحا أن محركات النمو في المغرب تنتج في كثير من الأحيان قيمة مضافة دون كثافة توظيفية كافية، إذ يرتبط جزء مهم من النمو باستثمارات رأسمالية كبيرة أو بتعاف ظرفي لبعض القطاعات، وهو ما لا يؤدي بالضرورة إلى نشوء سلاسل إنتاج محلية واسعة قادرة على توفير فرص عمل مستقرة.
وأشار إلى أن دور القطاع الخاص كقاطرة للتشغيل لا يزال محدودًا، في ظل بيئة أعمال لا تزال غير محفزة بما يكفي، نتيجة ضعف المنافسة، وتمركز الفرص الاقتصادية في عدد محدود من الفاعلين، إضافة إلى الصعوبات التي تواجهها المقاولات الصغرى والمتوسطة في الولوج إلى التمويل والأسواق.
كما أكد عاشي أن فجوة المهارات والرأسمال البشري موجودة بالفعل، غير أنه غالبا ما يتم تضخيم دورها في تفسير البطالة، لأن المشكلة لا تتعلق فقط بجودة التكوين، بل كذلك بطبيعة الطلب على المهارات داخل الاقتصاد.
وختم موضحا أن النسيج الإنتاجي الذي يتسم في معظمه بضعف التعقيد التكنولوجي والتنظيمي لا يولّد طلبا كافيا على المهارات العالية، وهو ما يؤدي إلى استمرار بطالة الخريجين حتى في حال تحسن منظومة التكوين والتعليم.