اقتصادكم - أسامة الداودي
يُفترض أن يشكل شهر رمضان محطة لإعادة ترتيب الأولويات السلوكية والمالية، غير أن الواقع يكشف عن تصاعد غير مسبوق في الاستهلاك، ما يثير مخاوف من تحوله إلى عامل ضغط إضافي على الأسر بدل أن يكون فرصة للتوازن والتكافل.
وفي هذا الصدد، يرى محمد طلال لحلو، الأستاذ الباحث والمستشار في الاقتصاد الإسلامي، أن الارتفاع الكبير في الاستهلاك خلال شهر رمضان لا ينعكس بالضرورة إيجابًا على الاقتصاد الوطني، بل يكشف عن اختلالات أعمق تمس التوازنات المالية للأسر والاقتصاد الكلي على حد سواء، خاصة حين يتعلق الأمر بمواد استهلاكية مستوردة لا تخلق قيمة مضافة محلية.
وأوضح المستشار في الاقتصاد الإسلامي، في تصريح لموقع "اقتصادكم"، أن الجزء الأكبر من النفقات الرمضانية يوجه نحو سلع مستوردة، ما يجعل هذا النزيف الاستهلاكي عبئًا على الميزان التجاري، بدل أن يشكل رافعة للنشاط الاقتصادي الداخلي، مؤكدا أن استفادة الاقتصاد من ارتفاع الطلب تظل محدودة في ظل ضعف الإنتاج المحلي للمواد الأكثر استهلاكًا خلال هذه الفترة.
وتابع لحلو أن هذا السلوك الاستهلاكي ينعكس بشكل مباشر على الوضعية المالية للأسر، إذ تصبح أكثر هشاشة في مواجهة الأزمات غير المتوقعة، نتيجة استنزاف مدخراتها خلال فترة قصيرة، بدل توجيهها نحو الادخار أو الاستثمار، مشيرًا إلى أن هذا الواقع ساهم في ارتفاع مديونية الأسر بنسبة 3.4 في المائة.
وأضاف المتحدث ذاته أن هذا الضغط المالي يتفاقم في سياق اقتصادي يتسم بارتفاع معدلات البطالة، التي تجاوزت 21 في المائة حسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط، إلى جانب إفلاس آلاف المقاولات الصغرى، حيث انهارت أزيد من 52 ألف مقاولة صغيرة، ما يقلص فرص الدخل ويضعف قدرة الأسر على امتصاص الصدمات.
وأشار الأستاذ الباحث إلى أن المؤشرات الاجتماعية بلغت مستويات مقلقة، بعدما أظهرت بيانات رسمية أن حوالي 89 في المائة من الأسر المغربية أصبحت غير قادرة على الادخار، وهو ما يعكس هشاشة بنيوية في القدرة المالية لشريحة واسعة من المجتمع، خصوصًا داخل الطبقة المتوسطة التي يفترض أن تشكل عماد الاستقرار الاقتصادي.
ولفت المستشار في الاقتصاد الإسلامي إلى مفارقة لافتة تتمثل في الارتفاع الموسمي للطلب على المواد الغذائية خلال شهر يفترض فيه، من حيث المقاصد، التقليل من الاستهلاك والانضباط السلوكي، موضحًا أن هذا التناقض يعكس انقلاب بعض الغايات الرمضانية إلى نتائج عكسية على المستوى المالي.
وشدد لحلو على أن هذا الوضع يستدعي وقفة تأمل ومساءلة جماعية حول أنماط الاستهلاك السائدة، مبرزًا أن شهر رمضان ينبغي أن يكون مناسبة لتعزيز قيم التضامن والتكافل وترشيد الإنفاق، بدل أن يتحول إلى عامل يرسخ العجز المالي ويقوض الاستقرار المعيشي للأسر في الأشهر اللاحقة، خاصة مع تزامن العيد ومصاريف الدخول المدرسي.
وزاد موضحًا أن رفع الوعي المالي والاستهلاكي داخل الأسر يظل مدخلا أساسيًا لمعالجة هذه الاختلالات، من خلال إعادة توجيه السلوك الرمضاني نحو مقاصده الاجتماعية والاقتصادية الأصيلة، بما يخفف الضغط عن الميزانيات الأسرية ويساهم في تعزيز التوازن المالي على المدى المتوسط.