التدبير اليومي للعقار بالمغرب.. تفاصيل صغيرة تصنع الفارق الكبير

الاقتصاد الوطني - 30-01-2026

التدبير اليومي للعقار بالمغرب.. تفاصيل صغيرة تصنع الفارق الكبير

   اقتصادكم - أسامة الداودي

يطرح واقع التقلبات الاقتصادية سؤالا جوهريا حول قدرة التدبير التشغيلي للأملاك العقارية على لعب دور صمام أمان، يحد من المخاطر ويحافظ على القيمة في غياب رؤية طويلة الأمد.

إذ لم يعد الرهان منصبا فقط على التخطيط طويل الأمد، بل على الكيفية التي تُدار بها التفاصيل التشغيلية اليومية، باعتبارها خط الدفاع الأول عن قيمة الأصل العقاري في الفترات الحساسة.

وفي هذا الصدد، اعتبر رفيق عبدوس، الخبير في العقار وتدبير الملكيات العقارية، أن استدامة قيمة الأصول العقارية لا يمكن اختزالها في الظرفية الاقتصادية أو في تقلبات السوق، بل ترتبط أساسا بجودة التدبير التشغيلي اليومي، الذي يشكل العمود الفقري لأي استراتيجية ناجعة للحفاظ على قيمة البنايات على المدى المتوسط والبعيد.

وتابع عبدوس، في تصريح لموقع "اقتصادكم"، أن أي أصل عقاري يمر بدورة حياة متكاملة تبدأ من مرحلة التصميم، مرورًا بالبناء والاستغلال والصيانة وإعادة التأهيل، وصولا إلى نهاية العمر الافتراضي أو الهدم، مؤكدا أن كل مرحلة من هذه المراحل تؤثر بشكل مباشر في سلامة الأصل العقاري وقدرته على الحفاظ على قيمته الوظيفية والمالية عبر الزمن.

كما أكد الخبير العقاري أن التدبير اليومي، رغم أهميته، لا يمثل سوى جزء من منظومة أوسع، إذ إن التركيز الحصري على الصيانة أو التحصيل أو اختيار المكتَرين يغفل عوامل بنيوية أخرى، على رأسها جودة التصميم الأولي ومدى ملاءمته لطبيعة الاستعمال الفعلي للبناية ولمتطلبات التدبير المستقبلي.

وأبرز عبدوس أن التعمق في مفهوم الاستدامة العقارية يكشف عن ترابط وثيق بين القرارات المتخذة في مرحلة التصميم والآثار التشغيلية اللاحقة، موضحا أن أخطاء التصميم غالبًا ما تنتقل تلقائيا إلى مرحلة البناء، ثم تنعكس بشكل مباشر على كلفة الاستغلال والصيانة، وعلى مستوى المخاطر المرتبطة بتدخلات فرق التدبير.

واسترسل الخبير قائلا إن أبسط الأعطاب التقنية، مثل تعطل مصباح كهربائي، قد يشكل مؤشرا دالًا على الوضع الصحي العام للبناية، معتبرًا أن نظام الإضاءة، مهما كان نوع الأصل العقاري، يظل عنصرا كاشفًا لمنظومة التدبير بأكملها، سواء تعلق الأمر بمحل تجاري أو مؤسسة تعليمية أو مصحة أو مستودع.

كما أورد أن سرعة التدخل لإصلاح هذا العطب تعكس، في ظاهرها، نجاعة التدبير، غير أن هذه السرعة غالبًا ما تكون نتيجة لتحمل المستخدم أو المسير أو مزود الخدمة تبعات خيارات تصميمية سابقة، لم تُراع في حينها شروط الاستغلال العملي وسهولة الصيانة.

وشدد على أن وضع تجهيزات تقنية، مثل المصابيح، في أماكن مرتفعة داخل إقامات سكنية فاخرة قد يبدو خيارا جماليا جذابا من الناحية المعمارية، لكنه يكشف في العمق خللًا في التفكير الوظيفي، إذ لم يتم أخذ كيفية تدخل فرق الصيانة ومستوى المخاطر والتكاليف المستقبلية بعين الاعتبار.

وأوضح عبدوس أن مرحلة الاستغلال تُبرز هذا الخلل بوضوح، حيث لا يجني المستخدم سوى قيمة جمالية محدودة، في حين يواجه المسير وفرق الصيانة تحديات إضافية، تتعلق بتأمين التدخلات التقنية، وتقييم المخاطر، وتحمل تكاليف إضافية مقابل أعطاب بسيطة في ظاهرها، لكنها معقدة في تنفيذها.

وتطرق المتحدث عينه إلى أن مقاربة الصيانة في البنايات الحديثة باتت مستوحاة من المجال الصناعي، إذ تشمل الصيانة الوقائية، والتصحيحية، والتنبؤية، وحتى التحسينية، مشيرًا إلى أن مثال المصباح المعطل يمكن إسقاطه بسهولة ضمن هذه المنظومة التقنية المتكاملة.

وأشار إلى أن القيمة المضافة الحقيقية للمسير العقاري تكمن في قدرته على رصد هذه الاختلالات مبكرًا، وبرمجة حلول مستدامة، سواء عبر تحسينات تقنية أو تعديلات في التجهيزات، وهو ما يندرج ضمن مفهوم إعادة التأهيل بالمعنى الواسع، وليس مجرد التدخل الظرفي لإصلاح الأعطاب.

وأضاف أن إعادة التأهيل قد تشمل، في بعض الحالات، مراجعة موقع التجهيزات أو تغييرها بالكامل، بما يضمن سهولة الصيانة وتقليص المخاطر، مؤكدًا أن هذا النوع من القرارات يعكس نضجًا في التدبير العقاري، ويُسهم بشكل مباشر في إطالة العمر الاستغلالي للأصل العقاري.

وفيما يخص مرحلة نهاية العمر الافتراضي، ذكر عبدوس أنها لا تنطبق دائمًا على جميع الأمثلة التقنية، غير أن التطور التكنولوجي السريع قد يفرض أحيانا تفكيك بعض التجهيزات أو استبدالها، ما يستدعي تخطيطا استباقيًا لتفادي تقادم الأصول وتحولها إلى عبء مالي وتشغيلي.

ولفت المتحدث ذاته إلى أن التدبير التشغيلي الناجع لا يقتصر على معالجة الأعطاب، بل يقوم على رؤية شمولية تدمج التصميم، والاستغلال، والصيانة، وإعادة التأهيل، بما يضمن استدامة الأصول العقارية، خصوصًا في فترات عدم اليقين الاقتصادي، حيث تصبح جودة التدبير عاملا حاسما في الحفاظ على القيمة.